رجل غير العالم، حرك البشرية وزاد من سرعة رتم الحياة... إنه هنري فورد الذي يعود إليه الفضل الأكبر في تحول السيارات من سلعة للأثرياء إلى منتج في متناول يد مئات الملايين من البشر، بشكل ساهم في انفجار مساحات المدن، هروب الناس إلى الضواحي وغرق الناس في أقساط السيارات. إلا هذا لم يمنع من أن ترتبط عبقريته بعناد ورأس صلب لدرجة ولد عنها بعض الغباء.

استطاع فورد أن يحرك العالم عبر طراز موديل T وخط تصنيع السيارات اللذين ابتكرهما في 1908 و1913 على التتالي، غير أنه وعلى مدار عقدين من الزمن تقريباً، تردد في إدخال أي تعديلات على حصانه الرابح، ومن الطبيعي بعد سنوات الخدمة الطويلة هذه أن تظهر علامات التقدم بالعمر والتعب على هذه السيارة.

إذ لم تجري عملياً خلال تلك الحقبة من الزمن سوى تعديلات هندسية وتصميمية بسيطة طالت موديل T، بينما عملت جنرال موتورز على استقطاب الزبائن بواسطة طريقة مبتكرة تعتمد على ادخال تعديلات وتحديثات سنوية. وهذا ما تسبب على أرض الواقع في فقد سيارات فورد الكثير من الجاذبية مقارنة بسيارات جنرال موتورز الأكثر حداثة وتطوراً.

في العام 1921، حقق فورد انجازاً لم يسبقه ولم يكسره أحد إلى اليوم – ولن يكسره أحد في المستقبل على الأرجح، وذلك مع سيطرته على 59 بالمئة من السوق. غير أنه وبسبب عناده، لم يستطع الحفاظ على ريادته مع إصراره على المضي قدماً في تصنيع الـ موديل T رغم هبوط مبيعاته أمام ضربات المنافسين. وعندما دقت ساعة الحقيقة وحان الوقت اللازم لإحالة الأخير إلى التقاعد، قرر فورد وبشكل غريب إيقاف تصنيع طراز T كلياً، وعمل على البدء بتحضير خطوط الإنتاج لاستقبال البديلة التي حملت اسم موديل A والتي احتاجت إلى عدة أشهر لكي تبصر النور... وهذا القرار الأسوأ في تاريخ هنري فورد.

وانقضت جنرال موتورز في ظل تأخر فورد وغياب الـ موديل T على الأسواق ورفعت حصتها المتواضعة سابقاً مع 15 بالمئة إلى 40 بالمئة بحلول العام 1924. ولم تستطع فورد سوى أن ترفع حصتها بنسبة 10 بالمئة مع إطلاقها لطراز موديل A في العام 1927.

ونتيجة لعناد هنري، خسرت فورد ريادتها لمدة 77 عاماً على التوالي خلف جنرال موتورز، ولم تكتفي الأخيرة بذلك فحسب، إنما تفوقت على جميع الصانعين العالمين في الفترة الممتدة ما بين 1931 وحتى 2007 دون انقطاع.