أول ما يتبادر إلى ذهن أي شخص عند سماع كلمة فيراري هو التاريخ العريق لهذه العلامة التجارية المنبثقة عن أنجح فريق في سباقات الفورمولا واحد، وذلك لأنّ شعار الحصان الجامح بشقيه الرياضي على الحلبات أو التجاري فوق الطرقات العامة عرف مجداً قد لا يتكرر لأي شعار آخر في عالم السيارات، ولكن التاريخ على أهميته ليس شغل فيراري الشاغل بل هو المستقبل، فلولا روحية التطلع إلى المستقبل والعمل باتجاهه التي تمتع بها المؤسس أنزو فيراري (ومن بعده القيمين على فيراري اليوم) عندما كان يعتبر بأنّ أفضل سياراته هي تلك التي لم تبصر النور بعد، لما تمكّنت فيراري من بناء ماضيها المجيد.

ولعل 812 سوبر فاست التي نتحدث عنها هنا هي خير دليل على روحية التطلع إلى المستقبل التي تسيطر على أروقة فيراري، فرغم أنها تقوم على أساسات طراز F12 برلينيتا الذي أبهر العالم عندما ظهر لأول مرة خلال العام 2012 عبر تبنيه لابتكار الجسر الهوائي، إلا أنّ سوبر فاست تتمتع بجسرين اثنين، الأول في الأمام يمرر الهواء من قرب المصابيح الأمامية تحت غطاء المحرك لتخرج من المنطقة التي تعلو العجلات الأمامية، أما الجسر الثاني فيمرر الهواء من المنطقة المحيطة بالعمود C الخلفي باتجاه الجناح الخلفي المدمج بجسم السيارة، الأمر الذي يبدو بأنّ له أثر إيجابي كبير على مستوى الأداء الانسيابي العام للسيارة. ليس هذا فحسب، بل لم تعتمد سوبر فاست على أي خط من خطوط F12 التصميمية، فهي أتت بتصميم يمتلك من السحر ما يمكنه من أن يكون الأجمل بين جميع سيارات فيراري ذات المحرك المثبّت في الأمام منذ أن أبصرت الجدة 550 مارانيللو النور قبل 21 عاماً. 

وقبل الانتقال للحديث عما تخفيه 812 سوبر فاست تحت جسمها الرشيق، لا بد من التوقف للحديث عن هذا الجسم الذي رسمت خطوطه من قبل مركز فيراري للتصميم تحت إدارة فلافيو مانزوني الذي أقل ما يمكن القول فيه هو أنه رائع، وهنا لا أرغب بأن أسترسل بالحديث عن الطريقة التي يسخر فيها هذا الجسم الهواء لمصلحة الأداء العام للسيارة، فهذا ليس أمراً جديداً عن سيارات فيراري العصرية منذ أيام طراز F50 وحتى اليوم، إلا أنّ الجديد هو أنّ سوبر فاست هي أول سيارة من فيراري تعتمد على نظام توجيه مدعّم كهربائياً، وهنا تؤكد الشركة الإيطالية بأنّ مهندسيها استخدموا هذا الخيار مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة المحافظة على سمات تجربة قيادة فيراري وشعور السائق بما يدور تحت العجلات الأمامية. 

وبمناسبة ذكر العجلات الأمامية، فهي ليست وحدها المرتبطة بالمقود بل أيضاً الخلفية، وذلك لأن سوبر فاست تتمتع بنظام توجيه على العجلات الخلفية الذي تُطلق عليه الشركة تسمية "قاعدة العجلات القصيرة الافتراضية" والذي يوجه العجلات الخلفية بشكلٍ يساعد العجلات الأمامية على الدخول بالمنعطفات بشكلٍ سريع وسلس، علماً أنّ السيارة تأتي مجهزة أيضاً بالجيل الخامس من نظام التحكم بزاوية الانزلاق (Side Sleep Control System)  الذي  يعمل على تحليل معطيات القيادة وقياس زاوية الانزلاق، ثم مقارنتها مع الزاوية التي يتوجب أن تتوجه السيارة نحوها قبل أن يوازن نسبة توزيع عزم المحرك بين العجلات الخلفية عبر نظامي E-Diff وF1-traction control

ميكانيكياً، ومع سوبر فاست تمّ رفع سعة محرك F12   من 6.3 إلى 6.5 ليتر، فيما تمّ رفع القوى من 730 حصاناً إلى 789 حصاناً يتم توليدهم على سرعة دوران محرك تبلغ 8,500 دورة في الدقيقة، أما عزم الدوران الأقصى فهو يبلغ 718 نيوتن متر عند 7,000 دورة في الدقيقة.

وبقوته العالية هذه الناتجة عن محرك يتنفس طبيعياً دون الاستعانة بأي جهاز لشحن الهواء، فإنّ محرك سوبر فاست يولد ما مقداره 121 حصاناً لكل ليتر من ليترات سعته.

كما حصل مع الخطوط الخارجية، كذلك نالت مقصورة سوبر فاست عملية إعادة تصميم جذرية بشكلٍ يعزز شخصيتها الرياضية مع احتوائها على العديد من السمات التي تتوفر في طراز لافيراري، سواء من خلال شكل لوحة العدادات الشبه المربع أو من خلال القسم الأعلى من الكونسول الوسطي، حيث يتوسط شعار فيراري فتحات التهوية الخاصة بجهاز التكييف. 

ومن جهتها توفر المقاعد التي جهزت السيارة، بالإضافة إلى قدرتها على احتضان الأجسام، مستويات راحة ممتازة بالنسبة لسيارة رياضية قادرة من حيث المبدأ على عبور المنعطفات بسرعةٍ عالية جداً.

وبالعودة إلى التصميم الخارجي الذي كان هو أكثر ما تمكنا من ملاحظته كوننا لم نقد السيارة سوى على سرعاتٍ منخفضة للغاية وبهدف تغيير وضعية وقوفها تبعاً لضرورات التصوير، فإنّ أكثر ما يميز سوبر فاست عن شقيقتها أو والدتها F12 إذا صح التعبير هو أنها تتمتع بالمزيد من الروح الرياضية التي تظهر بشكلٍ واضح جداً عند النظر إلى السيارة من زاوية جانبية، فعندها تبدو الأخيرة كأنها رمح قادر على شق الهواء بكل يسر، نعم رمح ولكنه رمح إيطالي ينبض بالجاذبية.

في الختام، فإنّ على ما يبدو من خلال النتائج المالية المحترمة التي حققتها فيراري خلال العام الماضي، والتي من المتوقع أن ترتفع هذا العام بفضل المبيعات المرتفعة التي بدأت طرازات فيراري بتحقيقها، وعلى رأسها طراز GTC4 لوسو T الذي يلعب دوراً محورياً في الأسواق التي ترتفع فيها الضرائب على السيارات المزوّدة بمحركاتٍ كبيرة ذات سعة منخفضة بفضل محركه المؤلف من ثماني أسطوانات سعة 3.9 ليتر، فإنّ مستقبل فيراري يبدو مشرقاً وبعيداً عن شبح الانحناء لموجة مركبات الدفع الرباعي المتعددة الاستخدام كما حصل مع الجميع المنافسين (باستثناء ماكلارين حتى الساعة)، وهذا الأمر إذا كان له من ترجمة في عالم التوقعات فهي لن تكون سوى بأنّ المستقبل سيحمل معه لـ فيراري المزيد من السيارات الممتازة والمتطورة تقنياً، كما هي الحال مع السيارة التي تابعتم هنا تقريرها وشاهدتم صورها الأولى تحت شمس الواقع.