نحن في العام 2017 وما زالت تبدو هذه الألمانية بعقدها الخامس جميلة ومتألقة وكأنها إحدى بنات الجيل المعاصر، فكيف كانت تبدو يا ترى عندما تم إطلاقها أمام الجمهور في معرض فرانكفورت الدولي للسيارات عام 1969؟... لا بد وأنها كانت أجمل جميلات عصرها.

فهذه الأيقونة السابقة لأوانها وبأبوابها الطويلة المجنحة ومقدمتها البارزة مع شعار النجمة الثلاثية العائد لـ مرسيدس، سميت بالاختبارية C111 وتم تطويرها في أواخر حقبة الستينات من القرن المنصرم لتكون نموذج تجريبي يتبنى أفكار ومحركات ثورية. ولكنها للأسف لم تصل إلى مرحلة الإنتاج التجاري، ولا أدري هنا ما إذا كان ذلك خطأ تاريخي يحسب على مرسيدس أم أن الشركة الألمانية عرفت تماماً كيف تحول هذه السيارة إلى مجموعة كبيرة من التقنيات التي ما زالت تستخدمها ويستخدمها معظم صانعي السيارات حول العالم. فهذه الـ C111 لو أنها تحولت إلى سيارة إنتاج تجاري لكانت من أروع الرياضيات على الإطلاق ولأصبحت أيقونة مستقلة لا يشبهها أحد، وأكيل بمدحي لها على أرقام حقيقية قامت بحلتها النموذجية من تحقيقها على أعتى حلبات الاختبارات الأوروبية، إذ تمكنت وبمساعدة المحرك ذو الثماني أسطوانات على شكل V بقوة 500 حصاناً من إجتياز حلبة ناردو الإيطالية لاختبار السرعات العالية واستطاعت بلوغ سرعة قصوى وصلت إلى 403.7 كلم/س حيث كان على متنها الدكتور هانز لايبولد مختبراً تقنياتها الثورية عام 1979.

وعلى الرغم من أنها لم تنل الضوء الأخضر لتنتقل إلى خطوط الإنتاج ولتدخل الأسواق وتلهب الساحات إلا أنه تم صنع 14 وحدة من C111 بعضها حمل محركات فانكل الدوارة العاملة على وقود البنزين وبعضها حمل محركات توربو ديزل متتالية الأسطوانات إلى أن تم تبني المحرك الأقوى ذو الاسطوانات الثماني المذكور أعلاه.

وبوضعية وسطية لمحرك فانكل الرباعي الدوار تنقل II C111 التي نعرض صورها، القوة الدافعة إلى المحور الخلفي للعجلات، ويولد المحرك هذا قوة مثيرة تبلغ 350 حصاناً تستطيع التسارع بها من حالة التوقف إلى سرعة 100 كلم/س في غضون 4.8 ثانية وتنطلق بسرعة قصوى تقدر بـ 300 كلم/س، وبمقارنة بسيطة تبدو هذه الكلاسيكية أكثر نشاطاً من سيارات عصرها كالإيطالية لامبورغيني ميورا P400S والتي تتخلف عنها بمقدار 0.7 ثانية للتسارع و 19 كلم/س للسرعة القصوى.

أما على صعيد التصميم فتمتلك C111 حفنة من الابتكارات التصميمية والتي ما زلنا نراها وتبهرنا إلى اليوم وأذكر منها المصابيح الأمامية المنبثقة التي تفتح إلى الأعلى والجانب الطويل الذي تتخلله فتحات الهواء مميزة في قالب رياضي صرف، فضلاً عن تصميم النوافذ والمساحات الزجاجية الأخرى لتضيف عليها مزيداً من التألق، وكذلك إطارات ميشلان ذات الهامش العريض التي تغطي عجلات المعدنية قياس 15 بوصة في تصميم أنيق يشدك إليها. أما المقدمة الطويلة ذات الطابع الهجومي فهي الأخرى جاءت ثورية بتحدبها الشديد في الأمام لترفع من إمكانيات الجسم الانسيابية وتعمل على تخفيف مقاومة الهواء وترفع بالتالي من القوى الدافع للأسفل لتعزز من ثبات السيارة وتماسكها على السرعات العالية. وعلى عكس المقدمة تأتي المؤخرة قصيرة جداً ومقتضبة بينما هي مرتفعة نسبياً عن المقدمة وبخلوص أعلى ويضيف التصميم المميز للسقف منحى متقدم من التصميم خصوصاً في الناحية الخلفية. ولم تقف C111 هنا بل استخدمت لمسات باللون الأسود دخلت فيها الألياف الزجاجية لتضفي عليها الحس الرياضي وتساهم في تخفيف الوزن في الوقت نفسه. فكل هذا الاهتمام والنضوج التصميمي كان ينبغي عليه أن يتحول إلى ماكينة ألمانية تشق الطرقات لا أن تبقى أسيرة التجارب والاختبارات برأيي!

وينسحب هذا التصور مجدداً إلى المقصورة الداخلية لـ C111 فهي تبدو من الداخل بعيدة عن المبالغات الاختبارية وأقرب للمقصورات الجاهزة للإنتاج، إذ يكفي لتشعر بالتميز أن تمسك بيديك المقود رياضي المغطى بنسيج رقيق ومريح وتجلس على المقاعد القماشية- الجلدية الفاخرة بتصميم رياضي يحتضن الراكب ويشعره بالأمان ومزودة أيضاً بحزامين أمان لكل مقعد، ولا يبتعد نظرك عن التفاصيل الأخرى مثل الكونسول الوسطي ولوحة القيادة والتي تحتوي على مكونات مفيدة ما زالت تستخدم بتصميمها إلى يومنا هذا كعدادات السرعة ودوران المحرك، والراديو من نوع بيكر بمكبرات صوت نقية وانتهاءً بمقبض تعشيق نسب علبة التروس المعدنية الرياضية.

فهذه النموذجية كان من شأنها اختبار تطبيق عدة ابتكارات جديدة وقتها، من أبرزها مكيف الهواء ونظام منع انغلاق المكابح وهوائي الراديو المدمج بالزجاج الأمامي كذلك نظام التعليق بتقنية مقاومة الهبوط المفاجئ عند المطبات أو الكبح المفاجئ، والأخيرة تحولت بعد إختبارها على C111 إلى تقنية رسمية تبنتها مرسيدس على طرازاتها المستقبلية. فكل تقنية حملتها هذه النموذجية تحولت بعد ذلك إلى تقنية مبتكرة ودخلت حيز التطبيق العملي على طرازات الشركة الألمانية لا بل انتقلت إلى شركات أخرى بحكم المنافسة والتقليد.

وتظهر هنا بعض الأسباب المحتملة والتي بسببها أحجمت مرسيدس عن إنتاج C111 منها احتمال حدوث أزمة وقود وقتها والتي استشعرت الخوف في نفوس القائمين على الشركة لهكذا مركبة رياضية عالية الأداء والتي ستتحول إلى مركبة عالية التكاليف، كما أن محركات فانكل الدوارة سرعان ما تم الاستغناء عنها نظراً لشراهتها للوقود وحاجتها للصيانة بين الحين والآخر وكفاءتها المحدودة نسبياً، بينما ركزت مرسيدس على محركات التوربو ديزل لسنوات والتي شكلت الخيار الأمثل قبل أن يأتي محرك البنزين الثوري من ثماني أسطوانات ذو الـ 500 حصان المعزز بشاحن هواء توربو مزدوج.

أما بعض الفئات من C111 فقد احتضنت محركات عصرية مثل المحرك M116 بنزين سعة 3.5 ليتر من ثمان أسطوانات وبقوة 200 حصاناً والذي استخدم أيضاً على طراز R107 350 SL، مما مكنه من التسارع إلى 100 كلم/س  في غضون 7.5 إلى 8.0 ثوان، ولا أبالغ إن قلت بأنه من الممكن اليوم أن يتم استخدامه في عدد لا بأس به من السيارات المعاصرة.

وبعد تأمل C111 عن بعد حان موعد التعرف عليها عن قرب وتجربتها على الطريق، وأعلم هنا أن كثير منكم سينعتني بالمحظوظ! فتجربة قيادة لمثل هذه الأيقونة النادرة أمر يعد له عشاق السيارات الأثرياء أموال طائلة، ولكن لحسن الحظ تم منحنا الفرصة لقيادة C111. والتجربة كانت للفئة المجهزة بمحرك من ثماني أسطوانات سعة 3.5 ليتر بنزين بقوة 200 حصاناً عند 5,800 دورة للمحرك في الدقيقة وعزم دوران 320 عند 4,000 دورة والمقترن بعلبة تروس يدوية من خمس نسب ونظام دفع خلفي.

بدءاً تنتفض C111 بقوة بمجرد تشغيل محركها الرياضي والذي يصدر بدوره هديراً مميزاً لن تنساه بسهولة، وتنطلق بعزم عالٍ على سرعات دوران محرك منخفضة وتبدي علبة التروس مرونة وتعاون كبير مع المحرك، بينما لا تحتاج عند تخفيف السرعة وإعادة الانطلاق للقلق فالعزم الكبير المتأتي عند سرعات دوران منخفضة كفيل بتأمين تسارع مميز لـ C111. وفيما نحن على الأراضي البريطانية استهلينا الفرصة بالتجول في أروقة مدينة سوراي والدخول في الأماكن المزدحمة، وناهيك على تعطيلنا من قبل المارة لشدة إعجابهم بالسيارة وإلحاحهم على التقاط الصور بجانبها، أبدت C111 نضوج كبير في التعامل مع الأماكن المزدحمة والطرقات المتعرجة على الرغم من أنها رياضية. أما مستوى الرؤية من الداخل فهو أكثر من جيد بفضل المساحات الزجاجية الكبيرة والسقف المنخفض نسبياً فضلاً عن انخفاض الجسم من الأرض كباقي السيارات الرياضية.

ومن ثم انتقلنا إلى حلبة التجارب في بروكلاند حيث تسنى لنا اختبار القدرات غير العادية للاختبارية C111 والتي تسارعت بنا من حالة التوقف إلى سرعة 100 كلم/س على طريق مستقيم بغضون 7.7 ثانية فقط،  وبالوصول إلى المنعطفات تتأقلم C111 معها بسهولة تامة وتخرج منها بثقة تدفعك إلى الرضا عنها. وعندما تدخل مجدداً إلى المسار المستقيم، يقوم نظام التوجيه بالتفاعل بشكل رائع مع الحركة وتشعرك السيارة بقوة ثباتها وتوازنها مهما حاولت أن تداعبها على الطريق، ويرفع نظام التعليق المزود بتقنية مقاومة الغوص نحو الامام عند الكبح من تماسك C111. وطبعاً لا تمتلك C111 القدرة الكافية على كبح جماح قوتها على السرعات العالية أثناء دخول المنعطفات، وفي ظل وجود عجلات خلفية دافعة ومؤخرة بخلوص مرتفع نسبياً تبدي الأخيرة اختلالاً وتأرجحاً ولكن سرعان ما تسيطر عليه لتنطلق من جديد. وتقدم C111 أفضل الأداء على السرعات المرتفعة يقابله تناغم واضح بين المحرك وباقي الأنظمة الداعمة، وبينما يشير المؤشر في عداد دوران المحرك إلى سرعات قصوى تصل إلى 10,000 دورة في الدقيقة فإن عليه أيضاً شريط أحمر عند السرعات التي تتجاوز 6,000 دورة في الدقيقة للتحذير من دخول حيز السرعة غير القابلة للسيطرة.

أخيراً بقدر ما شعرنا بالفخر للتعرف على مرسيدس C111 واختبار متعة قيادتها، بقدر ما تأسفنا على عدم رؤيتها على الطرقات فهذه الأيقونة النادرة بقيت فأر تجارب في أروقة التطوير وصالات العرض لـ مرسيدس ومتاحفها، بينما ألهمت الكثير من الطرازات اللاحقة بتقنياتها الفذّة.