أنا الآن على وشك اختصار ستة عقود من الزمان في وقت قياسي لا يتجاوز الساعة والنصف، إنه وقت ضيق ولا يكفي فعلياً لتصفح لائحة أبرز الأحداث التي جرت خلال تلك الفترة الطويلة، كما أنه مختصر جداً لتعريفكم بالأجيال السبعة للسيارة الأمريكية ذات العضلات المفتولة شيفروليه كورفيت التي بنت خلال كل تلك السنوات مجداً تاريخياً جعل منها أيقونة بارزة في عالم السيارات الرياضية... فأنا الآن بصدد العبور من الماضي إلى المستقبل خلال وقت قياسي لمسيرة سيارة عريقة ومتأصلة ما زالت تعد بالمزيد والمزيد في عالم السرعة.

ولا يمكنني اليوم التطرق إلى أسماء كانت في الماضي نموذجاً للسيارات الرياضية مثل الأمريكية دي لورين والتي لمع نجمها في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لأن كورفيت استطاعت أن تسحقهم مع كل جيل من أجيالها السبعة المتلاحقة. تلك الأجيال وعلى اختلاف ملامحها التصميمية ما زالت تمتلك العامل الوراثي الذي يجعل كل كورفيت مستقلة منها تبدو كسيارة كورفيت التي نتخيلها! فهي أشبه بالفرقة الموسيقية التي لطالما حافظت على نفس الإيقاع بينما تعاقب عليها العديد والعديد من العازفين وتنوعت التقنيات والآلات الموسيقية، إلا أنك ومع ذلك تستطيع تمييز إيقاعها من الوهلة الأولى، كذلك كورفيت والتي تصطف الآن أمامي في واحدة من أجمل اللوحات الفنية على الطبيعة مباشرةً بدءاً من الجيل الأول منها C1 العائد للعام 1954 وانتهاءً بالجيل السابع C7 ستينغراي متراصة جنباً إلى جنب على أرض جزيرة بيل آيل الواقعة على نهر ديترويت معقل صناعة السيارات الأمريكية، وبالتعاون مع مركز جنرال موتورز لإحياء التراث، ومحاطة بعدد كبير من صحفيي السيارات القادمين من مختلف أصقاع الأرض للتمكن كما هو حالي من التلاقي مع جواهر الـ شيفروليه كورفيت السبعة وتجربتها الواحدة تلو الأخرى.

وطبعاً من المنطقي أن أقوم بقيادة سيارات الـ كورفيت جيلاً بعد جيل تبعاً لترتيبها الزمني، إلا أنني اليوم أرى هذا الأمر مستحيل التطبيق نظراً لكثرة المدعوين وصعوبة توزيع الجميع على تلك السيارات في نفس الوقت ونفس الترتيب، ولكن ذلك لن يغير شيء على النتيجة التي سنصل إليها أنا وأنتم مع الـ كورفيت التي تحبس الأنفاس...

سأبدأ مع الجيل الأخير من كورفيت ذو الرمز C7 أو كما يشتهر بـ "ستينغراي" وهذه السيارة تحديداً استعصت عليّ تجربتها إلى اليوم، على الرغم من تواجدها في أسواقنا منذ أكثر من عام من الآن علماً أن جميع أفراد طاقم ويلز قاموا باختبارها على طرقاتنا، ولكنني اليوم سأقوم بتجربتها على مسار مختلف وهو عبارة عن قطعة من حديقة على شكل مستطيل محددة الزوايا أشبه ما تكون بمرعى للخيول المدللة، فهي لن تكون مثالية لاستخلاص كافة قدرات السيارة السوبر رياضية هذه ذات المقعدين بكل تأكيد.

وفي الحقيقة وبمجرد انزلاقي خلف مقود ستينغراي داخل المقصورة وبث الحياة في محركها الرياضي التمست مباشرة مدى قوتها الهائلة والتي تتأتى من هذا المحرك الجبار الذي ينتفض كالبركان الثائر بسعة 6.2 ليتر LT1 مؤلف من ثمانية أسطوانات على شكل V ومزود بمخارج رياضية للعادم (اختيارية) تحرر قوة المحرك البالغة 460 حصاناً وتكتمل روعته مع المخمدات الرائعة المصنوعة من الحديد الممغنط مطابقة لتلك المستخدمة في أودي R8 وموصول بعلبة تروس يدوية (للأسف غير متوفرة في منطقتنا) من سبع نسب تتسلل عتلة التعشيق بين النسب المتتالية لها بسلاسة تامة وسرعة خاطفة تعزز من قوة الدفع الكبيرة لهذه السيارة والتي تبدو هنا كالحصادة التي تلتهم الحقل دون شفقة، ولكن تبتلع الإسفلت هنا عوضاً عن سنابل القمح.

وخلافاً لأسلافها فإن سيارة الجيل السابع من كورفيت أو C7 لا يبدو عليها التوحش المفرط بقدر ما يبدو عليها الرصانة والتحكم، ويعود الفضل بذلك إلى الاعتناء الواضح من قبل المهندسين بالنواحي الميكانيكية والفنية والتي أبهرتني بقدراتها، فهي تستخدم نظام تعليق متطور (اختياري) من نوع Z51 يعتمد مخمدات اهتزاز بوضعية عرضية وليس عمودية وهذا ما يفسر المقدمة المنخفضة جداً لها، فهي رائعة عند القيادة وتتميز بثباتها وتشبثها بالطريق بشكل تضاهي به جميع منافساتها من الأوروبيات. وتكتمل روعتها خصوصاً عندما تدرك بأن مهرها يبدأ من 56 ألف دولار أمريكي في السوق الأم، ما يجعلها صفقة ناجحة على كل المقاييس.

وبالانتقال خطوة واحدة إلى الوراء أي الجيل السادس من كورفيت C6 والتي ستشكل رفيقتي في جولة القيادة التالية، وهذه السيارة ذات اللون الأبيض بعداد مسير يشير إلى أنها اجتازت 200 ميل فقط (320 كلم)، وطراز العام 2013 ما يعني أنها تكبر الجيل السابع بعامين فقط إلا أنها مصنوعة فقط في العام 2013 بينما هي تعود إلى العام 2005 مع انطلاق الجيل السادس من كورفيت لأول مرة في الأسواق، وبالتالي فإنها عملياً تكبر C7 بعقد كامل من الزمن. ولكن في الحقيقة تبدو هذه السيارة وبكل تواضع وكأنها تسبق C7 بثلاثة أو أربعة عقود فهي وعلى الرغم من محرك الـ V8 الكبير عليها بسعة 6.0 ليتر LS2 وبقوة تقل فقط 60 حصاناً عن محرك C7 إلا أنني لم أشعر معها بقوة انطلاقها ما دفعني للظن بأنني نسيت ربما ذراع الفرامل اليدوية مشدودة للأعلى ولكن لا إنها محررة!... إذاً ما سر هذا التواضع في الأداء الذي دفعني مجدداً للتوقف للحظة والنزول من السيارة وتفحص أركانها الأربعة لعلي نسيت فك وثاقها من حظيرة الخيول ولكن ليس هذا أيضاً... وهنا لا أريد المغالاة في ذم الجيل السادس من كورفيت ولكن على الأقل دعوني أقول لكم بأن ما فعله المهندس العبقري تادجي جوشتر وفريقه القائم على تطوير كورفيت C7 كان عظيماً، فهذه الأخيرة تظهر وكأنها مطورة بعد عدة عقود للأمام لدرجة أنك ستشعر بفرق هائل ما بينها وبين أي من أسلافها.

وبانتهائي من تجربة سيارة الجيل السادس من كورفيت توقفت خلف سيارة الجيل الثالث C3 المكشوفة والتي تعود للعام 1972، إنها كلاسيكية بكل تأكيد وتشبه خطوطها المنحنية تصميم زجاجة الكوكا كولا الأصلية، إنه تعبير سهل التخيل على ما أظن ولكنها محببة وتبدو متماشية مع ذوق عشاق السيارات الرياضية المعاصرين، ولعلها واحدة من أجمل سيارات كورفيت المعروضة اليوم من الصانع الأمريكية شيفروليه. وهذا الجيل أيضاً ينسب له أطول فترة خدمة من بين أجيال كورفيت السبعة والذي دافع عن ألوانها ما بين عامين 1968 و1982. وفضلاً عن خطوطها التصميمية المتناسقة يبرز عليها الصادم الأمامي الأنيق المصنوع من المعدن اللامع والذي تم استبداله لاحقاً في السنوات التالية والأجيال اللاحقة بآخر مصنوع من ألياف الكربون الخالية من الحس الفني.

في الداخل تتمتع C3 بجملة من التجهيزات الرياضية أجملها المقود الرفيع ولوحة القيادة الكلاسيكية مع عدادي السرعة ودوران المحرك العملاقين وإلى الوسط هناك الكونسول الوسطي وعليه فتحات التهوية وخمسة عدادات إضافية وراديو كلاسيكي خشبي بمفاتيح كرومية، ويليه مباشرة إلى الأسفل علبة تروس رباعية النسب موزعة بالتتالي على شكل حرف H لكي لا تنساها.

التعامل مع علبة التروس يحتاج إلى بعض العضلات خصوصاً مع النسبة الأولى حيث يتم الاتصال مع المحرك ذو الثماني أسطوانات على شكل V بسعة 5.7 ليتر. ومع هذا الجيل تم تكبير المحرك ليصبح بتلك السعة مقارنة بالجيلين الأول والثاني وتم استعمال نظام التحفيز (catalyser) في العادم ونظام الحقن الإلكتروني. وعلى أرض الواقع هناك حضور واضح لقوة المحرك التي تبدو السيارة مع أسطواناته الثمانية غير مناسبة تماماً لهذا القدر من القوة الحصانية البالغة 435 حصاناً وتشعر باهتزاز واضح خصوصاً في علبة التروس، وبالتالي كان من الطبيعي أن أشعر ببعض المعاناة مع هذه السيارة الكلاسيكية ولو أنها رياضية.

وبنجاحي من الهروب من الجيل الثالث من شيفروليه كورفيت انتهى بي الحال مع سيارة الجيل الخامس C5 العائدة للعام 2001 وهي آخر كورفيت تم تزويدها بمصابيح أمامية منبثقة (Pop-Up). وفي الحقيقة جاء الجيل الخامس من كورفيت أخف وزناً وأسرع بكثير من الأجيال السابقة ليتواكب مع التطور التكنولوجي والانتعاش في كل المجالات وقتها. وقدمت كورفيت Z06 هذه المرة بمحرك رياضي سعة 5.7 ليتر LS6 يولد 385 حصاناً (النسخة الأساسية بقوة 345 حصاناً LS1) ثم زادت قوته لتصبح 405 وبعدها 425 حصاناً لهذا الجيل الذي حظي أيضاً بسقف معدني ثابت فضلاً عن نظام تعليق ونظام مكابح متطوران. ومن الأمور التي ساهمت في خفض وزن السيارة ورفع رشاقتها استخدام مخارج للعادم من التيتانيوم ونوافذ أقل سماكة وعجلات أخف وزناً.

كانت كورفيت الجيل الخامس بمثابة سيارة رياضية متطورة مع محرك LS6 عصري وعلبة تروس سداسية النسب يدوية ساهما في تقديم أداء رياضي محترم وفعال وفتحات العادم تصدر صوتاً مميزاً يصعب نسيانه بسرعة وهذا المحرك الرياضي (حسب أرقام الصانع) يحمل السيارة من حالة التوقف إلى سرعة 100 كلم/س في أربع ثوان تقريباً. ودعوني أعترف بأن C5 Z06 قدمت تأدية رياضية جيدة للغاية وأفضل بشكل واضح من الجيل الذي تلاها وهو C6 وهذا يرسم صورة لأداء جنرال موتورز ما بين الجيلين الخامس والسابع وكأنها تركب الموج فبعد الجيل الخامس قدمت سيارة محبطة هي C6 وبعدها عادت بقوة مع الجيل الأخير.

وبعد إعجابي بالجيل الخامس كان لا بد لرحلتي معه أن تنتهي ولتتوقف مع الجيل الرابع هذه المرة أي فقط جيل واحد يسبقه، وتعود سيارة الجيل الرابع الموجودة هنا إلى العام 1987 ويكرس هذا الجيل بتصميمه (الرديء) أفكار حقبة الثمانينات من القرن المنصرم حيث تنتهي الخطوط البيضوية بزوايا حادة وفي الداخل مقاعد أقرب ما تكون للأريكة، أي أنها مريحة ولكن لا تمت للسيارات الرياضية بصلة، وأمامي تقبع لوحة العدادات الرقمية. وفي الحقيقة فقدت كورفيت مع الجيل الرابع جزءاً لا بأس به من سمعتها بسبب التصميم لوحده، وشعرت وأنا بداخلها بأنني في سيارة كاديلاك وليس كورفيت! أما محركها فهو كالعادة رياضي كبير بسعة 5.7 ليتر ومؤلف من ثمان أسطوانات على شكل V. وهذا المحرك جاء بقوة 230 حصاناً فقط في بدايات الإنتاج، لكنها استغلت الانتعاش الاقتصادي وانخفاض أسعار الوقود في عام 1992 لتتمتع بالتالي بمحرك بقوة 330 حصاناً، وشهد العام 1996 ظهور كورفيت ZR-1 بقوة 375 حصاناً وبعلبة تروس أوتوماتيكية من 4 نسب ويدوية من 6 نسب.

وبالابتعاد عن الجيل الرابع أوصلتني قدماي إلى سيارة الجيل الثاني العائدة للعام 1966 والتي اطلق عليها أولاً لقب "ستينغراي" وبمجرد اقترابي منها شعرت بجمالها الأخاذ فهي أيقونة تصميمية لا مثيل لها بخطوط أنيقة للزجاج الأمامي والجانبي (تم توفيرها بسقف زجاجي موصول بالزجاج الخلفي للعام 1963 ولكن تم استبداله لاحقاً لدواعي السلامة. إلا أن ما يشدك إليها أكثر هو تصميم المقدمة المرعب والرائع في نفس الوقت والمستوحى من فك القرش وعلى الجوانب تتعزز النفحات المستوحاة من القرش مع ثلاث فتحات تهوية جانبية مغمورة بعضلات أمريكية مفتولة ومشدودة ويزين المعدن اللامع مقدمة السيارة وبعض النواحي هنا وهناك كدليل واضح على اعتناء مصممي كورفيت بشخصيتها. فأنا أقيمها كواحدة من أجمل السيارات الرياضية لا بل واحدة من أجمل السيارات التي رأتها عيني على الإطلاق.

وبعد جلوسي على كرسي السائق وخلف المقود، أخذت برهة من الوقت وأنا أحاول استيعاب مدى أناقة تصميم المقصورة الرياضية للجيل الثاني ستينغراي من كورفيت، حيث تتداخل الأحاسيس الرياضية مع اللمسات الفاخرة متجلية بعجلة قيادة مصنوعة من الخشب الفاخر ويتوسطها قضبان معدنية لامعة ومقاعد رياضية الطابع وبعض المكونات المترفة مثل صندوق القفازات المعدني وغيره...

وبمجرد تشغيل السيارة والتقدم بها تشعر برضى عن الأداء فالمحرك رصين والسيارة متينة وراسخة على الأرض علماً أن لا نظام المكابح ولا نظام التوجيه كان مجهز بنظام مساعدة هيدروليكية، وبالتالي تحتاج لتشغيل عضلات يديك وقدميك للتحكم أفضل بالسيارة إلا أن ذلك لا يعيبها بمجرد الانطلاق بسرعة فالمحرك كبير لا بل عملاق بسعة 7.0 ليتر هذه المرة وربما يكفي لتسيير دبابة ولكنه مناسب على كورفيت ستينغراي فهي تستحقه خاصة أنه مؤلف من ثمان أسطوانات على شكل V بقوة وصلت إلى 425 حصاناً، ولكنه كان مجرماً بحق الوقود لكونه شره جداً بسبب حجمه الكبير، غير أن هذه السيارة التي تبلغ من العمر اليوم خمسون عاماً تقريباً ما زالت أيقونة فريدة في عالم السرعة والتصميم واستحقت عليها كورفيت سمعة طيبة عززت أسمها في أوائل عهدها على الرغم من ارتفاع سعرها وإنتاجها الذي كان محدوداً.

وأخيراً تبقي عليّ تجربة السيارة الأخيرة من سلسلة أجيال شيفروليه كورفيت وللمصادفة كانت سيارة الجيل الأول منها، وفي الحقيقة إنه شعور غريب بعض الشيء أن تتعرف على كافة أبناء وأحفاد كورفيت قبل أن تتعرف على الجد أو الأصل... وسيارة الجيل الأول C1 العائدة للعام 1954 بكل تأكيد لن تبرز على صعيد الأداء أو الحضور الخارق للعادة مقارنة بالأجيال اللاحقة لها، ولكنها تتمتع بالكثير من الأناقة والكلاسيكية وتمتلك محرك سداسي الأسطوانات المتتالية سعة 3.85 ليتر وقادرة على الانطلاق بسرعة ورشاقة على الرغم من تقدمها في السن واعتمادها على علبة تروس أثرية من سرعتين فقط!

وكما هي سيارة الجيل الأول من كورفيت رشيقة في الانطلاق فهي خفيفة وسلسة أيضاً في المراوغة والتوقف علماً بأن نظام المكابح المعتمد على طبلة غير المدعم بأية مساعدة يقدم نوعاً من التأخر ولكنها لا تشعرك بالرعب أبداً فهي واثقة من نفسها وربما أسوء ما فيها هي قاعدة العجلات المبنية عليها والتي أتت وقتها بتصميم متأخر.

وبقيادة سيارة الجيل الأول من كورفيت اكتملت خبرتي وخبرتكم بالتعرف على الأجيال السبعة من كورفيت هذه السيارة الأمريكية التي لطالما اقترن أسمها بالسرعة فهي وخلال ستة عقود نالت الكثير والكثير من التطور كما أنها عاشت فترات متأرجحة ما بين الممتازة إلى المتواضعة ولكنها بقيت سيارة قوية الأداء، ولعل الجيل الأخير والسابع منها C7 ستينغراي جاء أفضل وأقوى وأذكى أجيالها ليضع حداً لمسيرتها المتقلبة ويبقيها في المستوى المثالي...