انتهى روب ماكفاغان مؤخراً من وضع لوحة التسجيل الأصلية التي تحمل الرمز التالي: SX -25-59 على سيارة القمة ضمن مجموعته النادرة، وهذه السيارة هي هوندا NSX حمراء اللون ومحتفظة بحالتها الأصلية التي كانت عليها خلال امتلاك مثله الأعلى لها... ولكن من مثله الأعلى؟ إنه أيرتون سينا بطل الأبطال في سباقات الفورمولا واحد، والذي جلس خلف مقودها في تسعينات القرن الماضي بعد أن قامت هوندا بإهدائه هذه السيارة بفضل فوزه مع فريق ماكلارين – هوندا بلقب بطولة العالم.

ومن غير المستبعد أن نجد بعض البصمات الحقيقية على هيكلها الأحمر اللون لأيرتون سيينا، كما أنه من المؤكد ترك الأسطورة لبصماته على NSX بشكل عام بفضل مشاركته في تطوير أداء هذه اليابانية.

وولدت NSX كسيارة سوبر رياضية صافية، لا ينقصها أي من الأبعاد المثالية في فئتها، سواء بالنسبة إلى الطول، العرض أو الارتفاع، ومع خطوط ساحرة يصعب إلى اليوم تصديق الشعار الذي تحمله في المقدمة. ولكن يجب أن لا ننسى بأن هذا الشعار وحده كان كفيلاً في جذب العملاء إليه في حقبة كانت تشتهر بها سيارة فيراري بأنها رديئة، وفي نفس الوقت كان تنُعت محركات بورشه الخلفية بالمخيفة. لذا كان شعار هوندا عبارة عن مصدر ثقة لسيارة سوبر رياضية لن تتعرض للأعطال بسهولة، كما أن الضغط على دواسة الوقود فيها لن يتسبب بجنح السيارة بعيداً.

وسرت مع روب نحو "كنزه الأحمر" وفتحت باب السائق للجلوس خلف مقودها، فقال لي مباشرة "إن قيادتها تشبه الجلوس خلف مقود هوندا سيفيك كبيرة الحجم"، وذلك بغية تشجيعي على إطلاق العنان لها. وبصراحة ليس لدي أي معرفة بنوعية انقيادية الـ سيفيك الكبيرة، إلا أنني كنت أكثر من سعيد مع المقعد المريح. وعلى الرغم من وضعيته المنخفضة، إلا أن هوندا خفضت معه ارتفاع كل من الزجاج الأمامي والنوافذ الجانبية، وذلك لتأمين رؤية ممتازة للسائق. ولم تكن الرؤية الأمر الوحيد المميز في المقصورة، فلوحة القيادة كانت بسيطة وجذابة في الوقت نفسه، وتحاكي النمط الذي تشتهر هوندا به في مقصوراتها، وذلك عبر استخدام مفاتيح كبيرة الحجم للوظائف الأساسية والهامة، وأكثر ما تفاجأت به في الداخل هو الروح العصرية للمقصورة وحداثتها رغم مرور أكثر من عقدين من الزمن عليها، ولا تظهر عملياً ملامح التقدم بالعمر إلا عند النظر إلى بطانة الأبواب من الداخل، حيث لم تكن نوعية الحياكة متطورة كأيامنا هذه.

وتسمتر المفاجآت في الداخل عند النظر أو التعامل مع حيز الدواسات والذي يمتاز بتوفيره لمساحات جيدة بالإجمال على النقيض من معظم السيارات السوبر رياضية، أي أن السائق لن يضطر إلى ثني قدمه اليسرى أو اليمنى أثناء قيادته لـ NSX. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى استخدام هوندا لعجلات صغيرة الحجم في المقدمة، مع اعتمادها لقياس 15 بوصة وإطارات مع مداس بعرض 205 ملم، فيما جرى تركيب عجلات قياس 16 بوصة في الخلف مع إطارات بمداس 225 ملم. بيد أن الهدف الأساسي من تثبيت عجلات صغيرة في الأمام هو تخفيف الأوزان غير المحمولة، إلا أن ذلك إنعكس إيجاباً أيضاً على صعيد المساحات المخصصة لأقدام السائق.

وتعشق سيارات سينا للطرقات سباقات الفورمولا واحد أسوة بمالكها الراحل، فما أن يبدأ المحرك بالدوران إلا ويهدر بصوت صاخب تماماً مثل سيارات الجائزة الكبرى، ويتزامن ذلك مع إحساس عام بأن معدن السيارة بات أثقل وزناً بمجرد بدأ مخارج العادم بعزف ألحانها الميكانيكية. وما لفت إنتباهي هو نعومة دواسة القابض لدرجة يصعب تصديق إنتمائها إلى سيارة سوبر رياضية متفجرة الصوت. وعلى العكس منها، يعتبر المقود ثقيل وقاسي ويتطلب المزيد من الجهد لتحريكه، وذلك طبيعي مع اعتماد نظام يدوي غير معزز، إذ أن الفئة المزودة بعلبة تروس أوتوماتيكية هي الوحيدة التي كانت تأتي مع مقود معزز خلال سنوات الإنتاج الأولى لـ NSX.

بالمقابل، لن تحتاج إلى أكثر من دقيقة واحدة لتعتاد على علبة التروس اليدوية المكونة من خمس نسب أمامية، والمميزة بسلاسة عملها خاصة وأنها تتوافق وبصورة مثالية مع عزم الدوران. وهذا الأخير يمكن الحصول على جزء كبير منه عند سرعات دوران منخفضة، إذ يصل المنحنى البياني الخاص به إلى ذورته عند 3,500 دورة في الدقيقة فقط، مما يضمن انطلاقة خاطفة وتسارع مذهل. ومع استمرار تحليق مؤشر الدوران نحو الأعلى، ترتفع أصوات الأوركسترا الميكانيكية التي تعزف في غرفة المحرك المزيد من الأصوات الصاخبة لتصل إلى درجة الإنفجار مع بلوغ عتبة 6,000 دورة في الدقيقة. ولكن في هذه الأثناء يظهر نظام VTEC ليعلن عن حضوره وقدرته على تحويل هوندا NSX من سيارة سريعة إلى سوبر رياضية فائقة السرعة... وعندها يحين موعد الاستراحة على الطريق.

وخلال جلوسي بالقرب منها لاحتساء بعض القهوة، يتقدم أحد الرجال إلي ويسألني عن طراز هذه الـ فيراري التي أقودها، فنظرت إليه بنوع من الاستغراب وقلت ببراءة مطلقة "إنها هوندا"، لتظهر مباشرة عدة إشارات استفهام فوق رأس الرجل المسكين.

ولا يتسم المقود بثقل وزنه إلا عند السرعات المنخفضة، إذ يتصرف بعدها مباشرة بصورة لطيفة عند المنعطفات ولا يتطلب بذل المزيد من الجهد البشري لتحريك العجلات الأمامية، تماماً وكأنه معزز بنظام مساعدة. ويمتاز أيضاً بنقله لجزء كبير من الإحساس بالطريق إلى السائق ليبقيه على تواصل دائم مع ما يجري تحت الإطارات الأمامية، وذلك دون أن يشعر بالتعب أو الإرهاق خلال تحريكه.

وليس المقود نقطة القوة الوحيدة في التحكم بـ NSX، إذ تتفوق هذه السيارة بثباتها العالي وتماسكها الممتاز مع الطريق، رغم أن إطاراتها تعتبر ضيقة وفق معايير هذه الأيام حتى على سيارات الهاتشباك. ويساعد الوزن الخفيف في الحد للغاية من ميلان الهيكل، وقد يعتبر أيضاً نقطة القوة الكبرى في هذه الهوندا، إذ كانت أول سيارة معدة للإنتاج التجاري تستخدم هيكلاً مصنوع من الألومنيوم، علماً بأنها مبنية على قاعدة هيكل أحادي.

وسأعود إلى خلف المقود، حيث يكشف الزجاج الأمامي العريض عن أطراف المقدمة بطريقة تساعد السائق في تقدير الأبعاد بصورة ممتازة عند المنعطفات، ولكن الصورة مختلف في الخلف مع رؤية نموذجية في سيارة مزودة بمحرك وسطي... أي زجاج بحجم يوازي فتحة صندوق البريد!

وتعتبر لغاية اليوم NSX أكثر من رائعة في سلوكها على الطريق ونوعية إنقياديتها، فهي مريحة على الطرقات المستقيمة، بغض النظر عن نوعية هذه الطريق، كما أنها متماسكة وصلبة عند المنعطفات. ويتجلى بوضوح جهود وأموال هوندا التي أنفقتها أثناء التطوير ومساعدة سينا لها.

إذ أن سينا الذي يعتبره الكثير أفضل سائق بتاريخ الفورمولا واحد، انتقل إلى فريق ماكلارين – هوندا في العام 1988، ليحقق معه نتائج أسطورية خلال أربعة أعوام، عبر ثلاث بطولات عالمية، وحلوله مرة في المركز الثاني خلف زميله آلان بروست، مما ساعد فريق ماكلارين – هوندا في  بسط سيطرته على اللقب العالمي للصانعين خلال تلك السنوات.

وقامت هوندا بإعطاء سينا هذه الـ NSX الحمراء في العام 1991 ليقوم باستخدامها خلال سكنه في منزله الأوروبي الذي تواجد على الأراضي البرتغالية. ورغم أن هوندا حاولت كسب ود سائقها سينا من خلال هذه الهدية القيمة، إلا أن الأسطورية البرازيلية ذهب إلى أبعد من ذلك مع اعتباره لها على أنها السيارة الأكثر متعة للقيادة على الطرقات العادية، ولكن ذلك بعد أن شارك في تطوير أدائها.

وقبل ذلك بعامين، كانت هوندا تعمل على وضع اللمسات النهائية على سياراتها خلال مراحل التطوير مع هيكل مصنوع بالكامل من الألومنيوم، واستدعت أيرتون أثناء فترت الاختبارات على حلبة سوزوكا اليابانية، لتقييم النموذج الشبه النهائي من NSX. وفيما توقع المهندسون أن يخرج سينا من سيارتهم والابتسامة تعلو وجه، حدث العكس مع انتقاده وبشكل واضح لهذه السيارة وتأكيده على أنه هيكلها يحتاج إلى المزيد من الصلابة.

تقبلت اليابانية الانتقادات، وعادت مباشرة إلى العمل الذي استغرق ثمانية أشهر جرى فيها التركيز على رفع الصلابة بنسبة 50 بالمئة. وبعدها قام سينا أيضاً بنصحهم للعمل على إعادة ضبط أنظمة التعليق لتوفير إنقيادية أفضل.

واستخدم البرازيلي الراحل سيارته هذه خلال الأعوام 1991، 1992 و 1993، وفي هذا العام الأخير غادرت هوندا الفورمولا واحد وماكلارين التي ذهبت إلى كوزورث. ولكن استمر سينا باستخدام NSX التي يروي لنا خوسيه ألميدا، مراقب السباق في حلبة إستوريل البرتغالية بعض التفاصيل عنها في بداية التسعينات. إذ كان يشاهد نجم الفورمولا واحد على متن NSX ويذهل باستمرار من طريقة قيادة سينا الخارقة لها، وتحدث ألميدا عن ذلك قائلاً: "كانت الشرطة تقوم بإيقاف حركة المرور خارج الحلبة، لتسمح لسينا بمغادرة المكان على متن سيارته التي كان يطلق لها العنان مع صوتها المتفجر".

وقامت هوندا بعد انتهاء موسم 1993 باستعادة NSX من سينا، وجرى بيعها لاحقاً لاحدى المعارض التي عرضتها بكل فخر. ولم يتردد روب العاشق المتيم بسينا في الذهاب إلى المعرض في العام 2013 لشراء هذه السيارة التي تعود لأسطورة السرعة، رغم أنها عرضت بمبلغ كبير وصل إلى 80 ألف جنيه استرليني.