ربما توجب علي أخذ احتياطي بشكل أفضل، أو أن ذلك حدث معي بسبب سوء تقديري للأمور، فأنا الآن أسير وسط طرقات جبال الألب والثلج يحيط بي من كل جانب وذلك على الرغم من كوننا في فصل الصيف، أو ذلك ما كنت أعتقد على الأقل، إذ أنني ارتديت لرحلتي هذه حذائي "الكونفيرس" الخفيف الذي لا يقي حر الصيف ليقي برد الشتاء، فما بالكم بارتدائه وسط الثلوج؟ لكنه وبكل تأكيد ملائم لقيادة سيارة رياضية صرفة مثل بورشه كايمان GT4 وذلك لاصطحابها في رحلة إلى منتجعات التثلج في جبال الألب وعلى ارتفاع يصل إلى 2,526 متراً عن سطح البحر.

وقبل ذلك قمت بالبحث عبر الإنترنت عن طقم إطارات من نوع ميشلان بايلوت سبورت كاب 2، والذي يأتي مع رسالة تحذير بأنه غير ملائم للاستخدام في الأجواء الشديدة البلل وفي درجات الحرارة القريبة من درجة التجمد. لكن لماذا قمت بشراء طقم كامل من هذه الإطارات؟ ببساطة لأنني ظننت نفسي في فصل الصيف، كما أنه لم يسبق لي وأن ذهبت إلى الطريق B99 في النمسا الذي يصل إلى قمة كاتشبيرغ، أعلى نقطة في الطريق الذي يعبر جبال الألب ويمتد على مسافة 114 كلم. ولا شك وبأن استخدام إطارات كهذه وفي طرقات شبه مكسية بالثلوج مع سيارة رياضية بمحرك وسطي بقوة 385 حصاناً وعلبة تروس يدوية، أمر أقرب ما يكون إلى الجنون... ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا قمت بهذه المخاطرة؟

أولاً، لأنني وكما أخبرتكم من قبل لم أكن أظن بأن الأجواء ستكون هكذا، ثانياً والأكثر أهمية أيضاً، هو رغبتي في القيادة على نفس الطريق الذي شهد ولادة أولى سيارات بورشه الوسطية المحرك. فأنا هنا اليوم لأقود كايمان GT4 بعلبة تروس يدوية لمسافة 1,500 كلم وذلك من زوفنهاوسن في ألمانيا، حيث يقع المقر الرئيسي لـ بورشه والمصنع الذي عمل على إنتاج هذه السيارة الرياضية التي بين يدي، إلى قرية نمساوية صغيرة وسط جبال الألب مروراً بالطريق B99.

هذه القرية الصغيرة هي غموند، والتي شهدت في الماضي تجمع بعضاً من أبرز تقني وحرفيي بورشه للعمل على جوهرة جديدة هي نموذجاً اختبارياً لسيارة وسيطة المحرك عُرفت بالرقم 356-001. وبعد مرور سبعين عاماً على ذلك، حان الوقت المناسب للعودة إلى تلك المناطق وعلى متن إحدى أحدث السيارات التي تُنتجه بورشه. وذلك للتعرف على الأماكن التي كان فيرديناند بورشه يقضي وقته فيها، إذ أنه كان يوزع عمله ما بين فيلا خاصة قام بشرائها في شتوتغارت ومن المال الذي جمعه أثناء العمل لدى مرسيدس، وبين مزرعة عائلية في نمسا شهدت ولادة ابنه فيري. ولكون هذه المزرعة تقع في قرية غموند الهادئة وذات الطبيعية الزراعية، لم تطل شرور الحرب العالمية الثانية هذه القرية البعيدة، خاصة وأن القنابل والطائرات استهدفت المناطق الصناعية في ألمانيا بالدرجة الأولى.

...

 

وقبل كل ذلك اضطررت إلى الانتظار لفترة ليست طويلة أمام مصنع بورشه في شتوتغارت، والذي ما زال إلى اليوم على حاله الأصلية في الخارج مع سقف مكسي بالقرميد الأحمر اللون في منطقة زوفنهاوسن. أما السيارة التي كان من المفترض لي أن أجلس خلف مقودها، فهي كايمان GT4 حمراء اللون، انتظرت العمل عليها خصيصاً لي، إذ جرى إعادة برمجة لغة نظام الملاحة الخاص بها بما يتماشى مع اللغات التي أفهمها، فأنا لا استطيع أن أتحدث الألمانية. وبعد أن أنجزت بورشه ذلك، بحثت عبر نظام الملاحة عن أي من الطرقات السريعة المجاورة لمصنعها، إلا أنني لم أجد ضالتي أبداً، لذا بدأت باحتساب المسافة من شتوتغارت في ألمانيا إلى غموند في النمسا، ووجدت بأنها تقارب الـ 500 كلم، أي أنني سأحتاج بالأحوال العادية قرابة الـ 5 ساعات للوصول إلى وجهتي، أي قبل غروب الشمس، إذ أنني نظرت إلى الساعة حينها فكانت تشير إلى الثالثة عصراً. غير أنني لم أقم بحساب الوقت بطريقة صحيحة، إذ لم آخذ بعين الاعتبار طرقات جبال الألب والأمطار التي كانت تنتظرني ناهيكم عن المناظر والطبيعة الخلابة التي تحيط بأطراف الطريق، والتي من الصعب تجاهلها للتركيز فقط عما يدور أمامك من خلف المقود.

بعد عبوري لشتوتغارت وصلت إلى مفترق الطرق نحو ميونخ، والتي تبعد 250 كلم إلى الشرق. وتصادفت رحلتي هذه مع فترة أعياد طويلة في ألمانيا، لذا كان من الطبيعي أن أجد الكثير من السيارات تسلك نفس الطريق، وكأنهم جميعاً يؤيدونني بالقيام برحلة إلى الجبال للحصول على جرعة صافية من المتعة خلف المقود.

ولم أجد أمامي وجهة أفضل من الذهاب إلى مدينة ميونخ، ومن ثم التوجه بعدها إلى الحدود النمساوية. وخلال رحلتي ما بين شتوتغارت وميونخ قمت بأخذ بعض الاستراحات السريعة وذلك على الطرقات السريعة والتي تحتوي على لافتات هي الأكثر روعة على مستوى العالم دون منازع، إذ يتواجد وكما هو معروف على الطرقات السريعة في ألمانيا لافتات دائرية الشكل وبيضاء اللون، تحتوي على خمس خطوط قطرية سوداء اللون، وتوجه رسالة مبطنة إلى السائقين مفادها: "أهلاً بكم، يرجى ضبط حدود السرعة القصوى عند أكبر قدر ممكن!"... يا لها من لافتات ساحرة، فهنا لا حدود للسرعة ولا حدود للمتعة وكل ما عليك القيام به هو فقط الالتزام بقانون السير في ألمانيا والتمتع قدر الإمكان خلال جلوسك على مقعد السائق بسرعات من الصعب تحقيقها بأي مكان آخر في العالم.  

وبعد ذلك قطعت ميونخ وتوجهت إلى الجنوب نحو الحدود النمساوية، إلا أنني اضطررت خلال ذلك إلى خفض سرعة سيارتي، فالأمطار بدأت تهطل بغزارة لا تصدق، والطرقات تبللت بشكل كبير، ووجدت صعوبة بالغة في التحكم بالسيارة ومتابعة الطريق، لدرجة اضطررت بها إلى الوقوف جانباً بغية تفحص نظام الملاحة والبحث عن طريق بديل، غير أنني تفاجأت عندما قام نظام الملاحة ومن تلقاء نفسه باستعراض طرقات بديلة بمجرد توقفي جانباً، وذلك من دون أن ألمس الشاشة الوسطية أبداً أو أي مفتاح أيضاً.

وبالعودة إلى زوفنهاوسن، ما إن خرجت من مصنع بورشه إلى وذهبت مباشرة إلى هضبة مجاورة في رحلتي إلى الطريق السريع، وبدأت مباشرة باختبار المحرك الوسطي الوضعية والمأخوذ من كاريرا سعة 3.8 ليتر، وبمجرد ضغطي قليلاً – بعض الشيء - على دواسة الوقود استطعت الوصول إلى سرعة بلغت 135 كلم/س وذلك على النسبة الثانية فقط، فيما كان مؤشر الدوران يشير إلى 8,000 دورة في الدقيقة.

ومع محرك كاريرا في الخلف، استطعت مع GT4 الوصول إلى سرعة بلغت 270 كلم/س، وكنت ابتسم خلال ذلك كلما لمحت اللافتة البيضاء الدائرية مع خطوطها السوداء الخمس، وشعرت بأن المحرك هو الأخر يبتسم أثناء تنفسه طبيعياً وهو يتخذ مع أسطوانته الست وضعية منبطحة.

ولا شك بأن كايمان GTS سيارة أكثر من ممتازة، إلا أن GT4 هي الأفضل، وسبق لنا وأن اختبرنا كلاً من هاتين الرائعتين وبشكل مطول، ولم يمضي سوى أسابيع قليلة على جلوسنا خلف مقود الأخيرة في رحلة رائعة على الطرقات البرتغالية.

ويقف وزن كايمان GT4 عند 1,340 كلغ، وتستخدم الكثير من مكونات شقيقتها الأكبر 911 GT3 خاصة على صعيد أنظمة التعليق، إذ جرى استعارة كامل القسم الأمامي من الأخيرة تقريباً، فيما لجأت بورشه إلى تصميم نظام تعليق خلفي جديد، بيد أنها أبقت على الأذرع المزدوجة التي كانت في GT3، وهذه الأخيرة أيضاً كانت كريمة للغاية مع شقيقتها الأصغر، إذ لم تكتفي بكم كبير من أنظمة تعليقها فقط، بل منحت GT4 نظام الكبح كما هو. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن كايمان الأساسية يزيد ارتفاع خلوصها عن GT4 بمقدار 30 ملم، كما أن قاعدة العجلات تختلف بين هاتين السيارتين بعد خضوعها لجملة من التحسينات لتتماشى مع القوة الإضافية في GT4. على صعيد متصل، تتم عملية التنقل بين نسب علبة التروس اليدوية بسلاسة تامة، لكن حبذا لو تم معايرة نسب التعشيق بطريقة أفضل. ولا أدري إن كان لقيادتي في الأسبوع الماضي لـ GT3 RS أي أثر في ذلك، إذ أن الأخيرة مزودة بعلبة تروس من نوع PDK أقل ما يقال عنها بأنها تتمتع بأعلى درجات الكمال. وهذا ما لم ألمسه في GT4 وعلبتها اليدوية، فهي لا تعاني نسبياً من نسب التعشيق الطويل فحسب، بل تعاني من عدم انتظام مدة التعشيق بين كل نسبتين. والغريب في الأمر بأنك وعلى النسبة السادسة تشعر بأن المحرك يدور بسرعة أعلى مما هو مطلوب وذلك عند السير على سرعة 160 كلم/س، علماً بأنه يمكن الوصول إلى رقم قريب من 140 كلم/س على النسبة الثانية! وأظن بأن بورشه قد عمدت إلى ذلك في سبيل توفير عزم مرتفع، وهذا ما يمكن لحظه عند السرعات المنخفضة والنسب الأولى. ويمكنني القول بأن هذه هي الفئة الأولى من كايمان التي تشعر معها وبأنها تزخر بكم كبير من العزم، ولا شك بأن ذلك يدفعك إلى الابتعاد قد الإمكان عن مقبض علبة التروس المكسي بقماش الألكنتارا عند السرعات المنخفضة قدر الإمكان. لكن تطفو على السطح نقطة سلبية أخرى، فعلى النقيض من النسب الأولى، تشعر بأن النسب الأخيرة تعاني من ضعف واضح على صعيد العزم خاصة عند السير بسرعات كبيرة...

أياً يكن، تعتبر قيادة كايمان GT4 رائعة للغاية، خاصة وأنها تدفعك لكي تبقى مشغولاً في الضغط على دواسة القابض الفاصل باستمرار لتحريك مقبض علبة التروس بغية التنقل على الطرقات بسرعات عالية وسلاسة مطلقة. من جهة أخرى، أظن بأن الزوائد الانسيابية الأمامية بالإضافة إلى الجناح الخلفي الثابت، تلعب دوراً مماثلاً لنظيرتها في 911 GT3 وذلك في سبيل توليد المزيد من قوى الضغط السفلي وبمقدار 100 كلغ.

عندما تصل إلى الحدود النمساوية تعبر وكأن شيئاً لم يكن، وبتعبير آخر، تشابه عملية الانتقال من الحدود الألمانية إلى نظيرتها النمساوية القيادة على الشارع E611 في الإمارات والانتقال من إمارة عجمان إلى أم القيوين دون أي حدود أو فواصل تذكر. وعلى الرغم من غياب الحدود البشرية المصنعة، إلا أن الحدود الطبيعي قائمة بقوة، فالأمطار ازدادت غزارة في النمسا، والوقت الذي حددته في زوفنهاوسن للوصل إلى غموند، تجاوزته من زمن. لكنني وجدت نفسي بعد ذلك أتخطى سالزبورغ لأصل إلى جبال الألب الشرقية، وذلك في طريق مظلم وطويل وتغيب عنه أي معالم محددة، وكل ما كان بإمكاني رؤيته من حولي هو الأمطار التي تهطل، الجبال الداكنة ومقدمة سيارتي التي تسير فوق طرقات مبللة مع إطارات رياضية غير مخصصة لهذا الغرض.

ولا يمكنني وصف القيادة فوق هذه الطرقات مع إطارات سيارتي المصممة تقريباً للحلبات الجافة، ووجدت نفسي تلقائياً بعد ذلك أركز على المصابيح الخلفية المعززة بتقنية LED لسيارة سوداء اللون من نوع أودي RS6 كانت تسير أمامي وبسرعة عالية جداً. ويحق لسائق هذه السيارة أن يتمتع بثقة مفرطة خلال القيادة وسط الجبال، فلديه نظام دفع رباعي متفوق يحمل توقيع كواترو، أما أن المسكين فكل ما لدي هو سيارة رياضية بنظام دفع خلفي وبإطارات يمكن لها أن تنزلق بسهولة نسبياً على الطرقات المبللة. إلا أن اللحاق بالسيارة من جهة، وقدرات بورشه كايمان GT4 من جهة، مكناني من قيادة هذه الألمانية بثقة عالية نسبياً، ولا أدري إن كانت هذه الثقة هي السبب الرئيسي الذي جعلني أتوهم بأن السيارة لم تنزلق مؤخرتها ولا حتى بمقدار ملم واحد أثناء الانعطاف بها بشدة، أو أنها لم تنزلق بالأصل. وتابعت طريقي بعدها إلى أن وصلت إلى إحدى الاستراحات وتناولت فيها بعض الأطباق التركية. وما أن خرجت من الاستراحة إلى وسعيت إلى تحسين توزيع الوزن، وذلك من خلال نقل حقيبتي التي كانت تزن 10.8 كلغ بالضبط من المؤخرة إلى المقدمة. ولمن يتساءل عن الدقة البالغة في وزن حقيبتي، فسأجيب على ذلك من خلال وزن شركة الطيران لحقيبتي قبل صعودي إلى متن الطائرة.

واستغرقت سبع ساعات كاملة للوصول إلى غموند عوضاً عن خمس، أي أنني تأخرت بمقدار ساعتين نتيجة للظروف الجوية والأمطار الغزيرة. إلا أنني وصلت في النهاية ومن دون أن أشعر بأي علامات تعب أو آلام في الظهر، ولا شك بأن الفضل الكبير في ذلك يعود إلى مقاعد GT4 المستعارة من شقيقتها الرائعة 918 سبايدر، والتي تميزت براحة الجلوس عليها وبدعمها للظهر بشكل فعال. كما تجدر الإشارة إلى أنه ورغم الطابع الرياضي الصرف لـ GT4، إلا أنها تحظى بعملانية أكثر من مقبولة مع وجود صندوقي أمتعة ومساحات زجاجية جيدة تتيح رؤية أكثر من مقبولة للخارج.

وعلى طريق يدعى هاوبتستراس، والذي يعتبر الشارع الرئيسي في غموند، يتواجد فندق شهير كان له دوراً في تاريخ بورشه يحمل أسم غوستاف كولماير. إذ اعتاد البروفسور فيرديناند على استخدامه لاستراحة مهندسيه وسائقي الاختبارات لديه وإطعامهم فيه أيضاً، وذلك خلال قيامهم باختبار السيارات على طرقات جبال الألب. لذا كان لزاماً علي وعلى سيارة الـ بورشه التي كنت أقودها أن نتوقف على باب هذا الفندق من أجل أخذ قسط الراحة والعودة قليلاً في التاريخ. وما أن دخلت إليه إلا وتوجهت إلى المالك الذي أكد لي بأن بورشه وعماله كانوا يأتون باستمرار لتناول الطعام، إلا أنه في ذلك الوقت كان صغيراً للغاية ولا يتذكر ما هي الأطباق التي اعتادوا على طالبها. غير أنني أتذكر تماماً الطبق الذي طلبته وكان من نوع شنينزل فيينير أحد الأطباق النمساوية الشهيرة. وعلمت أيضاً بأن فيرديناند بيش وعائلة بورشه قد أتوا منذ مدة قريبة إلى غوستاف كولماير، وذلك خلال احتفالاتهم بالعيد الـ 60 لتأسيس شركتهم في غموند.

بعد ذلك، قررت بأن أبدأ بالتخطيط جيداً لرحلتي التي من المفترض أن تستمر لليومين القادمين، لذا قررت أن أتأكد من حالة الطقس وأن أبحث قدر الإمكان عن الأماكن الجافة البعيدة عن الأمطار. غير أنني لا أخفيكم بان ذلك كان أشبه بالمهمة المستحيلة، فهذه القرية صغيرة للغاية لدرجة تسمح لمجموعة صغيرة من الغيوم بأن تقوم بتغطية سمائها بالكامل.

وفي العادة، يجري فتح الطرقات إلى أعالي جبال الألب في الفترة الممتدة من شهر مايو إلى شهر سبتمبر، لذا من الطبيعي أن يستغل الكثير من السياح هذه الفترة المحدودة من كل عام، للصعود إلى أعالي الجبال الشهيرة، وهذا ما يتسبب بكل تأكيد بازدحام واضح طوال هذه الفترة، خاصة في أيام العطل من نهاية الأسبوع. ويعتبر طريق كاتشبيرغ الشهير هو أحد أعلى المناطق في جبال الألب وجرى العمل على شقه في ثلاثينيات القرن الماضي، ويوجد فيه نصب تذكاري تخليداً للعمال الذين قضى بعضهم نحبه خلال العمل على شقه وسط المرتفعات. ويحتوي هذا الطريق الذي يمتد على مسافة 48 كلم على 36 منعطفاً حاداً، وذلك في سبيل الوصول إلى القمة التي يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر 2,504 كلم. وهذه الطريق بتضاريسها هي التي جرى التركيز عليها خلال تطوير أول قاعدة عجلات من بورشه مع محرك وسطي والتي حملت الرقم 356-001 قبل عدة عقود مضت.

وتمتاز الطريق الآنفة الذكر بطبيعتها الخلابة التي تحيط بها، وبمدى صعوبة اجتيازها خاصة مع سيارات قديمة تفتقر إلى تقنيات العصر أسوة بتلك التي عمل فيري بورشه على تطويرها مع فريقه، والتي تتبعنا المسار الذي سلكته ما بين مزرعة عائلة بورشه في غموند وبين كاتشبيرغ، والذي يمتد على مسافة 114 كلم. وتجدر الإشارة إلى أن الرومان أنفسهم كانوا يسلكون طريقاً مشابهة إلى كاتشبيرغ، ولا أدري هل كان يجري البنزين في عروقهم أيضاً؟!

وبالعودة قليلاً إلى الوراء، نصحني البعض في زوفنهاوسن بأن أنطلق باكراً في رحلتي عبر كاتشبيرغ، وبالفعل عملت بالنصيحة هذه واستيقظت مع شروق الشمس قرابة الساعة الخامسة فجراً، وانطلقت على نفس المسار الذي جرى فيها تطوير أولى السيارات التي حملت اسم بورشه، وكانت تلك السيارة التي عمل فيري على تطويرها تعتمد في حركتها على محرك رباعي الأسطوانات بوضعية منبطحة سعة 1,131 سم مكعب وبقوة 35 حصاناً، وكان بمقدوره الوصول إلى سرعة 135 كلم/س كحد أقصى، وذلك مع وزن إجمالي يبلغ 585 كلغ. وبدأ العمل على تطوير هذه السيارة في العام 1947، وذلك في مزرعة بورشه ومع مجموعة من الرجال لا يتعدى عددهم الـ 12 رجلاً. وحمل هذا العمل اسم "مشروع سيارة فولكس فاغن الرياضية" والرقم "356" كرمز له.

وجرى استعمال معدات بسيطة نسبياً خلال مراحل العمل، بيد أنه ورغم بساطتها إلا أنها استخدمت بأفضل طريقة وعلى الوجه الصحيح. وأعتمد فيري في مشروعه على أجزاء كثيرة من فولكس فاغن، إلى أن أصبحت قاعدة العجلات الأنبوبية جاهزة في العام 1948، ليتم فيما بعد تشكيل وتركيب ألواح الجسم الخارجي على هذه القاعدة. وفي صيف ذلك العام، جرى تسجيل السيارة رسمياً في غموند وحملت الرقم 356-001، وجرى فيما بعد بناء 52 وحدة منها، إلا أن النسخة الأهم هي النسخة رقم 1 بكل تأكيد.

وتقاسم الأب وابنه العمل على مشروعهم الذي مهد لولادة اسم بورشه، وذلك من خلال تكفل الأب فيرديناند بالعمل على تطوير المحرك وأنظمة نقل الحركة، فيما كانت وظيفة فيري هي العمل على تشذيب وتحسين أداء قاعدة العجلات، معتمداً في ذلك على الطريق إلى كاتشبيرغ في جبال الألب وعلى المسافة التي تبلغ 114 كلم، والتي شهدت عملياً ولادة اسم بورشه للمرة الأولى وتمهيد الطريق أمام هذا الاسم الأسطوري.

هذا كان قبل قرابة 70 عاماً من اليوم، أما الآن ومع ساعات الصباح الأولى ودرجة حرارة تحوم حول الصفر، لا يمكنني وصف شعوري وأنا أتحضر لعبور كاتشبيرغ على متن كايمان GT4 فوق طرقات أقل ما يقال عنها بأنها مخادعة، وذلك بسبب وجود عدد هائل من المنعطفات الحادة، أمطار متفاوتة الشدة ودرجة حرارة متدنية. وفي الوقت الذي تكفلت به ماسحات الزجاج الأوتوماتيكية في التعامل مع الأمطار، توجب علي التحكم بكل شيء آخر خلف المقود، من هذا الأخير إلى عتلة علبة التروس ودواسات السيارة. غير أنه لا يجب أن أنسى أيضاً المهارة التي تتمتع بها الأخيرة خاصة على صعيد أنظمة التعليق الأمامية والتي تعاملت مع الامر ببراعة خلال عبوري المنعطفات بسرعات عالية نسبياً. لكن لا أخفيكم بأنني عانيت في سبيل محاولة السيطرة على السيارة باستمرار خاصة بسبب الطرقات الزلقة، بيد أنه ما أن تعتاد عليها إلا وتثير GT4 إعجابك في طريقة عملها. وهذا ما حثني على الضغط عليها أكثر ومحاولة الضغط على المكابح بشدة عند المنعطفات، وطبعاً لا أدعي بأن الخوف لم يتسلل إلى داخلي خلال ذلك، غير أن حب المغامرة والاكتشاف كان وراء هذا التصرف الصبياني، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المكان وحالة الطقس.

وتابعت طريقي نحو الأعلى بعد ذلك وصولاً إلى منتجع أوبيرتويرن للتزلج، حيث كانت الثلوج دون غيرها تحيط بالسيارة من كل جانب. مما دفعني إلى اختبار فعالية المكابح باستمرار وتخفيف السرعة قدر الإمكان. وساعدني نظام منع انغلاق المكابح بالقرب من المنتجع كثيراً في كبح جماح كايمان GT4، إلا أنه ومع صعودي نحو الأعلى أكثر، بدأت فصول المغامرة تزداد إثارة، إذ لم يعد بمقدوري السير بسرعة تزيد عن 35 كلم/س، ومع ذلك شعرت بأنني أسير بسرعة عالية جداً.

ووصلت بعد ذلك إلى القمة، أي عملياً إلى النهاية، ولم يعد هنالك أي ارتفاعات جديدة على GT4 اجتيازها، وكل ما كان بإمكاني القيام به هو التمتع هذه المرة بالمناظر الطبيعية الساحرة من الأعلى، وتحضير نفسي وGT4 للنزول والعودة إلى الطريق B99.

خلال طريق العودة، ازداد إعجابي بهذه الـ بورشه أكثر وأكثر، فكلما ظننت بأن المحور الأمامي سينحرف، أتفاجئ كيف تعمل أنظمة التعليق الأمامي على إعادة السيارة إلى مسارها الصحيح، وذلك حتى أثناء عبور أشد المنعطفات حدة. كما تعاملت GT4 ببراعة عند الضغط عليها في سبيل زيادة السرعة، وحتى مع علبة التروس التي لم تنل إعجابي بالمطلق، كانت تتسارع بشكل مثير للإعجاب والحماس. ويمكن على الطرقات العادية الحصول على جرعة إضافية من المتعة، خاصة من خلال التلاعب بعلبة التروس، فعلى الرغم من أن الاعتماد على النسبتين الخامسة والسادسة هو الخيار المنطقي للسير بسرعات عالية دون ارتفاع سرعة دوران المحرك، إلا أنه لا بأس من دفع الدوران إلى حدوده القصوى، وذلك في سبيل المتعة والوقوف على قوة المحرك، مثل السير بسرعة 130 كلم/س بالاعتماد على النسبة الثانية فقط.

ولا شك بأن كايمان GT4 سيارة قريبة في كثير من النواح إلى الكمال، فحتى توزيع الدواسات تشعر بأنه مدروس للغاية، وقس على ذلك الكثير. ومن المؤكد بأن ذلك ليس بالجديد على بورشه، والتي ولدت كحلم لدى فيري الذي استخدم في بناء أول بورشه أدوات بسيطة كانت كفيلة بولادة سيارة رياضة ممتازة. وإذ عُرف بعد ذلك المكان الذي شهد تطوير أولى سيارات بورشه، فلا عجب إذاً بأن هذه الألمانية اليوم هي المسؤولة عن إنتاج وتطوير نخبة من السيارات الرياضية المتفوقة على مستوى العالم.