قد تكون عملية ابتكار شعار "إلى أبعد مدى" الذي ترفعه فورد حالياً استغرقت الكثير من الوقت، التفكير وعصر الأدمغة لفريق تسويق يعمل لدى كبرى الشركات المعنية بتلميع صور العلامات التجارية، إلا أنّ صورة الصانع الأمريكي ذو العلامة البيضاوية الزرقاء لا تحتاج لأي عملية تلميع، فهو يقود اليوم ومن خلال الطرازات الجديدة التي يقدمها ما هو أصعب بكثير من مجرد الوصول إلى أبعد مدى، إذ أنه يتحدى التقاليد الأمريكية في عالم السيارات، تلك التقاليد التي تفرض دائماً نهج "الأكبر هو الأفضل"، ولكن تحدي فورد لهذه التقاليد لا يكتسب أهميته من كونه يهدف للخروج عنها فحسب فهذا ليس الهدف أبداً، بل من كونه يطمح لإثبات أنّ تلك التقاليد قادرة على التطور دون أن تفقد جوهرها الأصيل، فبعد الفئة ايكوبوست من طراز موستنغ التي جلبت معها إلى عالم سيارات العضلات الأمريكية محرك لا تزيد أسطواناته عن الأربع، ها هي الشركة التي أسسها العم هنري ومن خلال السيارة التي تتابعون هنا تقريرها تُنفذ الأمر نفسه مع شاحنات البيك أب التي تُعتبر بالنسبة لأبناء جلدة فورد أكثر من مجرد وسيلة نقل، بل هي أيضاً تعبير صريح عن نمط حياة خاص يعكس شخصية تهوى التميز.

في البداية وكي نلقي الضوء أكثر على حجم التحدي الذي تواجهه فورد مع F-150 ايكوبوست، لا بد من طرح السؤال التالي: ما هو الفرق بين الشعور الذي ينتابك خلف مقودها وما قد يتوفر لك مع شقيقتها المزوّدة بمحرك من ثماني أسطوانات؟ الإجابة هي: لا فرق أبداً، فمع السيارة التي تشاهدون صورها هنا ستجد نفسك متمتعاً بقوة عالية قادرة على دفع العجلات الضخمة بكل يسر نحو الأمام دون أي تلكؤ أو ضعف، كما أنّ هذه القوة تترافق مع هدير قوي ومحبّب لمحرك ست أسطوانات يولد نفس القوة التي يولدها محرك الأسطوانات الثماني مع عزم دوران أقصى يفوق ما يمكن للمحرك الكبير توليده على سرعة دوران أقل، فإذاً المشكلة ليست بالأداء بل بالوسيلة المستخدمة لتحقيق هذا الأداء. فهل ستتمكّن الفئة ايكوبوست من تغيير عقلية "الأكبر هو الأفضل"؟ لننتظر ونرى، ولكن قبل ذلك هيا بنا نكتشف ما تخبه هذه الفئة الجديدة من مفخرة فورد تحت جسمها ذو الخطوط العصرية.

وبمناسبة ذكر خطوط الجسم، لا بد من الإشارة إلى أنّ أول ما يلفت النظر في F-150 هو أنّ فريق التصميم تمكّن من ضخ جرعات مكثّفة من الحداثة دون الابتعاد عن مبدأ المحافظة على السمات الأساسية التي لا تزال مرتبطة بشكلٍ وثيق مع الأجيال السابقة من السيارة، ولكن ما لم يعجبني صراحةً هي شبكة التهوية ذات الحجم المبالغ فيه والتي وإن كانت تنسجم مع مبدأ شاحنات البيك أب لناحية توفير إطلالة مهيبة على الطريق، إلا أنها تضعف الشخصية الرياضية الشبابية التي يجب أن تتوفر أيضاً.

من جهة أخرى وضمن مسعاهم لتعزيز جودة مضمون فوردF-150، عمد مهندسو الصانع الأمريكي إلى تركيب الجسم المصنوع بالكامل من الألومنيوم على قاعدة عجلات فولاذية منفصلة وذات مقاطع متفاوتة السماكة، وبهذا تمكنوا من خفض الوزن عبر تقليل السماكة في المناطق التي لا تحتاج للكثير من الصلابة مقابل تعزيز سماكة المناطق التي تحتاج لذلك دون التأثير سلباً على الوزن العام للسيارة. ومن الأمور الأخرى التي تمّ التوصل إليها بفضل استخدام الألومنيوم هو مركز الثقل المنخفض لتحسين الانقيادية والتماسك.

على الطريق، وما أن تنطلق على متنF-150   حتى تكتشف أنّ مبدأ المحافظة في التصميم توقف عند حدود جسم السيارة الخارجي ولم يتمكن من اختراقه ليصل إلى المكونات الأخرى، سواء على صعيد الديناميكية أو على صعيد الانقيادية ومستوى الثبات العالي عند اجتياز المنعطفات (مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ ما نتحدث عنه هنا هو شاحنة ذات خلوص مرتفع)، حيث تجلى بوضوح فضل استخدام الألومنيوم الذي ساهم بخفض قرابة 300 كلغ من الوزن مقارنةً بالجيل السابق. أما المحرك فلا يشعرك أداءه بأنه يعاني من نقص في عدد أسطواناته بالمقارنة مع شقيقه الأكبر ذو الأسطوانات الثماني إذ أنه يتميز بمرونة عالية، الأمر الذي يجعلك تشعر بأنّ الحجم الكبير للسيارة ليس عائقاً يمنع تقدمها إلى الأمام بكل سرعة وسهولة.

وتتمكّن F-150 أن تجر خلفها مقطورة يصل وزنها إلى حدود الـ 5,500 كلغ تقريباً، أي أنها قادرة بكل سهولة على قطر قارب كبير نسبياً والتوجه به إلى مرفأ اليخوت، أو عدد لا بأس به من الدراجات النارية الرباعية العجلات والتوجه بها إلى أبعد نقطة في الصحراء. 

من الداخل، تتمتع مقصورة القيادة بتجهيزات غنية مع عناية بالغة بأدق التفاصيل ومواد ذات نوعية مقبولة. فالأخيرة، وإن كانت لا تُصنّف ضمن المواد العالية الجودة، إلا أنها تبقى مناسبة بالنسبة لسيارة مُصمّمة بالأساس للقيام على متنها بمغامرات بعيدة عن المنزل، كالتوجه إلى مرفأ اليخوت مثلاً ومنه إلى رحلة صيد في أعالي البحار، فعندها وإذا حالفك الحظ سيتوجب عليك نقل كمية كبيرة من الأسماك داخل مقصورة القيادة في رحلة العودة إلى المنزل، وحينها فأنت بالتأكيد لن ترغب بوضع تلك الأسماك على مقاعد مصنوعة من الجلد الطبيعي الفاخر أو أرضية مكسوة بالصوف العالي الجودة والباهظ الثمن.

أما وضعية القيادة فهي بدورها مميزة وتُعطي السائق شعوراً عالياً بالسيطرة على الطريق من زاوية مرتفعة للغاية ساهمت المساحات الزجاجية الواسعة في تعزيزها، خاصةً عند مستوى الحافة المنخفضة للقسم الأمامي من بابي السائق والراكب الأمامي.

وتحتوي لوحة العدّادات على عدّادين دائريين تقليديين تتوسطهما شاشة LCD متطورة وغنية بالمعلومات التي من الممكن أن تتفاوت ما بين مؤشرات أداء البيك أب وما بين استهلاك الوقود أو زوايا الخوض في الطرقات الوعرة. ويمكن للسائق أن يقوم بتخصيص الشاشة لعرض ما يرغب به من معلومات في نفس الوقت. وتتوسط لوحة القيادة في جزئها العلوي شاشة عرض معلومات وترفيه من الحجم الكبير تعمل باللمس، ويقع تحتها مجموعة من المفاتيح الخاصة بالتحكم بالصوت، وهذه الأخيرة تقع فوق مفاتيح التكييف.  

ومن أكثر الأمور التي لفتت نظرنا داخل المقصورة هي أنّ المرايا الجانبية القابلة للتعديل كهربائياً تتحرك بسرعةٍ عالية بشكلٍ يُسهّل على السائق تحريكها خلال القيادة بهدف رؤية العوائق التي قد تكون تواجه العجلات الخلفية، ثم إعادتها إلى وضعها الطبيعي المناسب لنظره بشكلٍ سريع. وفي السياق نفسه، نالت مقابض فتح أبواب السيارة من الداخل الكثير من استحساننا بفضل تصميمها العصري المبتكر.

وفي الختام، لا يسعنا سوى القول بأنّه مع المحرك ذو الأسطوانات الست الذي يجهز السيارة والذي يتمتع بنفس القوة التي يولدها محرك الأسطوانات الثماني مع 385 حصاناً وعزم دوران أقصى يبلغ 629 نيوتن متر على سرعة دوران محرك تبلغ 2,750 دورة في الدقيقة، فإنّ العذر الوحيد الذي سيمنعك من تفضيل الصغير على الكبير الأعلى ثمناً والأكثر استهلاكا للوقود هو التمسك بالغير مجدي من التقاليد. وهنا، وإن كنت لم تلاحظ حتى الساعة فعلينا أن ننبهك بأنّ التقاليد هي أيضاً بحاجة أحياناً للتطور، كما أنّ الوسيلة لا يجب أن تكون هي الغاية.