مهما حاولنا أن ننكر بأننا نصدرها، تبقى الأحكام المسبقة إحدى أبرز خطايا البشرية التي تلازمنا. فرغم ثقافاتنا المتعددة، ورغم التجارب التي مررنا ونمر بها، ورغم أننا طوراً نكون ضحية حكم مسبق وأطواراً جلاد يُصدر أحكامه المسبقة دون تفكير، إلا أننا لا نتوقف عن تكرار هذه الأحكام الخاطئة غالباً. ولعل هذا هو ما حدث مع كل من شعر بأسى عندما علم بأنّ مرسيدس استغنت في الجيل الجديد من C63 عن المحرك الجبار ذو الأسطوانات الثماني سعة 6.2 ليتر لصالح محرك آخر يتألف من ست أسطوانات مع توربو.

بناءًا على ما تقدم، فأنت الآن عزيزي القارئ أمام خيارين، إما أن تتوقف عن قراءة هذا التقرير معتمداً على الأحكام المسبقة نفسها والتي تفيد بأنّ المحركات المعزّزة بتوربو لا يمكن لها أن تجعلك بغنى عن محركات السحب العادي لتكون أنت كإدارة المدرسة التي حكمت على توماس إديسون الذي أنار العالم بأنه أحمق لا يستحق أن ينهل من علومها، وإما أن ترافقني عبر الأسطر التالية وبعيداً عن أي حكم مسبق لنكتشف سوياً ما اذا كانت AMG C63 S الجديدة تستحق أن يحمل محركها توقيع أحد مهندسي الفرع الرياضي من مرسيدس أو لا تستحق ذلك، وليكون حكمنا بالنهاية هو الحكم الصحيح.

تفضل معي إلى المقعد الأمامي للسيارة لأحدثك عن أداء جديدة الصانع الألماني الذي يسيطر عليه صوت محرك رائع بإمكانه أن يعطي دروس في مجال الإثارة السمعية على الطريق

هنا، وفي حال كنت لا تزال تتابع معنا هذا التقرير، فأنت ممن يكرهون الأحكام المسبقة ويدركون مدى ظلمها، لذا تفضل معي إلى المقعد الأمامي للسيارة لأحدثك عن أداء جديدة الصانع الألماني الذي يسيطر عليه صوت محرك رائع بإمكانه أن يعطي دروس في مجال الإثارة السمعية على الطريق.

ولعل الصوت الهادر ليس وحده ما يؤكد لك أنك على متن سيارة رياضية الهوى. فرغم أنّ C63 S تتوفر بعدّة أنماط قيادة يمكنك أن تختار بينها عبر مفتاح مثبّت في الكونسول الوسطي، إلا أنّ النمط الوحيد الذي تسمح هي به هو النمط الشرس المخصّص للانطلاق  بأقصى سرعة، ليس فقط في المقاطع المستقيمة بل أيضاً وهنا الأهم عبر المنعطفات التي يتمكّن جهاز التعليق من تطويعها كما يحلو له، فالأخير الذي يميل إلى القساوة يمارس سطوته الديناميكية على ظروف القيادة ليتناغم بذلك مع المقود الدقيق الذي يسمح بتوجيه السيارة نحو الجهة التي يرغب بها السائق.

ومع وزن يبلغ 1,655 كلغ للفئة C63 S، لا تُعتبر جديدة AMG ثقيلة بشكلٍ كبير، وهذا ما يساهم بتعزيز قدرتها على التسارع، إذ تتمكّن الأخيرة من الانطلاق إلى سرعة 100 كلم/س خلال 4.0 ثواني. أما بالنسبة للسرعة القصوى، فرغم أنها محدّدة عند حاجز الـ 250 كلم/س، إلا أنّ من يختار الحصول على ما يُطلق عليه تسمية حزمة السائق من AMG سيتمكّن من الوصول بنسخته إلى سرعة 290 كلم/س.

 وكما أنه لا فائدة من القوة العالية من دون القدرة على التحكم بها، كذلك لا فائدة من القدرات الديناميكية العالية ما لم يكن هناك قوة هادرة تسمح لك بالاستفادة منها، لهذا تمّ تزويد السيارة بالمحرك الذي ذكرناه في البداية، أي ذلك الذي يعاني من الحكم السلبي المسبق والذي يتألف من ثماني أسطوانات سعة 4.0 ليتر مع شاحن هواء مزدوج يتمكّن من توليد قوة 469 حصاناً مع عزم دوران يبلغ 650 نيوتن متر في فئة القاعدة C63 مقابل 503 أحصنة و700 نيوتن متر في الفئة S التي نقوم بتجربتها هنا، والأهم هو أنّ هذا العزم يتوفر بدءًا من سرعة دوران محرك تبلغ 1,750 دورة في الدقيقة.

وخلال الفترة التي توجب علينا فيها التقاط الصور المرفقة، رافقني الزميل المصوّر مالك فيومي على متن السيارة، ومالك كما يعرف عنه جميع أصدقاءه مستعد دائماً لقضاء ساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة خلال تصوير سيارة ما فقط لأنه من عشاق السرعة والإثارة، لذا كان من الطبيعي أن يطلب مني دائماً الانطلاق بأقصى سرعة واستخراج كامل طاقة السيارة. وهنا وضعت مفتاح اختيار أنماط القيادة على النمط السباقي Race وضغطت بقوة على دواسة الوقود، عندها شعرت بمدى الاتصال الذي توفره هذه السيارة مع سائقها، خاصةً من خلال المقود الذي ينقل ما يحدث لعجلات المحور الأمامي والذي يوفّر بدقته وسرعة استجابة العجلات لأي حركة منه توجيهاً مثالياً للسيارة داخل المنعطفات مع أقل قدر من الحاجة لتصحيح المسار. أما علبة التروس، فتوفر نقاط تعشيق ممتازة وسرعة في تبديل النسب، علماً أنها توفر إمكانية التعشيق نزولاً بأقصى سرعة، وصولاُ إلى أدنى نسبة متاحة عند جذب عتلة التعشيق بشكلٍ مستمر، الأمر الذي يسمح بدخول المنعطفات بسرعةٍ أعلى.

ولعل إحدى أبرز نقاط قوة C63 S هي الفعالية التي تتم فيها عملية نقل القوة والعزم من المحرك إلى الطريق عبر الترس التفاضلي الخلفي الالكتروني الذي يعمل بشكلٍ رائع على تحويل طاقة المحرك إلى اندفاعة قوية ومتماسكة إلى الأمام، يؤازره في ذلك جهاز التعليق الذي ذكرناه مسبقاً.

وكونها تنتمي بالأساس إلى الفئة C التقليدية، فهي تتمتع بواحدة من أكثر لوحات القيادة أناقةً على مستوى العالم تبرز فيها فتحات المكيّف الخمس الموزّعة على الشكل التالي 3 في الوسط و1 من كل جهة، فيما تستفيد لوحة القيادة من تبطينات مكسوة بالجلد الفاخر مع تطعيمات من الألومنيوم ومكبرات صوت فاخرة تحمل تصميماً فنياً يرفع من مستوى السيارة ليضعها في مصاف شقيقتها الشهيرة الفئة S. من جهة أخرى، ورغم أنها ظهرت لأول مرة على متن الفئة A الجديدة على ما أذكر، إلا أنني حتى الساعة ما زلت غير مقتنع بالشاشة الوسطية المنفصلة مظهرياً عن لوحة القيادة التي توفرها مرسيدس على عدد كبير من سياراتها، ومنها سيارتنا هذه، وذلك لأنها تعطي انطباعاً بأنّ أحدهم قد قام بشراء جهاز كمبيوتر لوحي وعمد إلى تثبيته في ورشة ضمن إحدى المناطق الصناعية، ولكن في الحقيقة فإنّ هذه الشاشة هي أمر ثانوي لا يقلل من أهمية لوحة القيادة، خاصةً على متن سيارة توفّر متعة قيادة عالية مع مقود بإطار سميك مكسو بمادة الالكنتارا.

 

ونبقى داخل المقصورة لنشير إلى أنّ مستويات الأناقة لا تتوقف عند حدود لوحة القيادة وكونسولها الوسطي المنساب نحو الأسفل، بل تمتد أيضاً لتشمل حشية الأبواب الداخلية وتبطيناتها التي تتميز بحياكة حمراء تتخذ شكل الألماس، كتلك التي تزيّن المقاعد الرياضية التي تجهز السيارة والتي قد لا توفر مستويات راحة عالية، إلا أنها تحتضن أجسام الجالسين عليها بإحكام، الأمر الذي يعزّز من الشعور بالثقة خلال القيادة الديناميكية السريعة التي توفرها السيارة بشكلٍ أكثر من كريم.

وفي الختام، ربما علينا أن نعود للحديث عن الأحكام المسبقة والمتسرعة التي ربما تكون قد ظلمت السيارة، فأنا أعلم أنّ هناك العديد من مالكي الجيل السابق ذو المحرك الجبّار بسعته وباستقلاليته عن أي جهاز تنفس قسري يجلسون الآن بكل راحة بال كونهم غير مضطرين لدفع مبالغ إضافية من المال لتجديد سياراتهم والحصول على الطراز الذي استمتعنا بقيادته للتو معتبرين بأنهم ليسوا ممن يستسيغ قيادة سيارة مجهزة بتوربو، ولعل هذا أمر جيّد، ولكن في الحقيقة فإنّ الأمانة تقتضي مني أن أزف لهم الخبر الغير سار (من الناحية المادية) والذي يفيد بأنهم بحاجة ماسة لفتح حساباتهم المصرفية واقتطاع المبلغ الإضافي اللازم لاستبدال الجيل السابق بالجيل الحالي لـ مرسيدس AMG C63 S، فهذه الأخيرة هي أفضل على صعيد الأداء، كما أنها لا تزال تتمتع بصوت ميكانيكي هادر يصعب التصديق بأنه ناجم عن محرك معزّز بتوربو.