منذ ظهورها الأول قبل حوالي 46 عاماً ولا تزال رانج روفر متربعة على عرش مركبات الاستخدام المتعدد. ورغم المحاولات العديدة لزحزحتها عن هذا العرش، إلا أنّ ما من طراز آخر تمكّن من تحقيق ذلك، أو على الأقل مشاركتها ذاك العرش، أما السبب، أو الأسباب بتعبيرٍ أدق، فمنها ما يتعلق بالمجهود الكبير الذي كان يبذله القيمون على علامة لاند روفر التجارية، ومنها ما كان يتعلق بالتقصير في بعض الأحيان من قبل الشركات المنافسة التي كانت ولا تزال تطبق المثل الأجنبي الشهير "لا تأتي إلى معركة مسدسات حاملاً معك سكين"، ولكن بشكلٍ معكوس ففي وجه مسدس رانج روفر ذو العيار الثقيل كانت سيارات مثل لكزس LX570، إنفينيتي QX80، لنكولن نافيغيتور وكاديلاك أسكاليد تكتفي بسكين هي عبارة عن فئات معززة ببعض المواصفات الفاخرة، فئات لم نتمكن معها يوماً من أن ننسى بأنّ لكزس LX570 هي تويوتا لاند كروزر، إنفينيتي QX80 هي نيسان باترول، لنكولن نافيغيتور هي فورد أكسبديشن وكاديلاك أسكاليد هي GMC يوكون، أو ربما شيفروليه سبوربان. ولكن هذا التقصير لا ينسحب على جميع المنافسين، فخلال ثمانينات القرن الماضي هناك من حاول إزاحة رانج روفر عن عرشه، انها لامبورغيني التي أتت إلى معركة المسدسات التي تحدثنا عنها مع سيارة ذات خلفية عسكرية هي LM 002 لا تكتفي طبعاً بسكين بل بالكثير من الأسلحة التي يعتبر محرك الأسطوانات الاثنتي عشر أبرزها إلى جانب التسمية المثيرة والشخصية الأكثر إثارةً، إلا أنّ هذه السيارة أيضاً لم تتمكن من التأثير على رانج روفر، إذ أنّ مشكلتها هي بأنها لم تكن تعاني من نقص بالأسلحة بل من التشبه كثيراً بالأسلحة من خلال خطوطها الهجومية المتوحشة البعيدة كل البعد عن ملامح البريطانية الراقية والمحافظة ناهيك عن أنّ الإيطالية لم تتمكن من الصمود كثيراً في الأسواق كي تشكل منافساً حقيقياً على كافة الأصعدة لـ رانج روفر.

هذا كان في الماضي أما اليوم، فإذا كنت ترغب بإنفاق مبلغ يقارب المليون درهم على مركبة دفع رباعي متعددة الاستخدام مفرطة الفخامة فعليك أن تختار بين سيارتين تتنافسان ضمن نفس الفئة السعرية، هما رانج روفر SV أوتوبيوغرافي ألتي أطلقتها لاند روفر كي تستبق معها وصول المنافسة البريطانية المستجدة، وبنتلي بنتايغا التي أبصرت النور قريباً كي تكون أولى بشائر هذه المنافسة البريطانية المستجدة، حتى هنا كل شيء طبيعي ومن كان منزعج من أحادية رانج روفر وترؤسها لساحة مركبات الدفع الرباعي الفاخرة بات بإمكانه التنفس صعداء والاطمئنان على أنّ أيام تربع رانج روفر على عرش الفخامة باتت معدودة، ولكن هل ستتنازل الأخيرة حقاً عن هذا الموقع، وهل حقاً أصبحت أيامها معدودة؟ قبل الإجابة النهائية والحاسمة على هذا السؤال الكبير لا بد من الإجابة على مجموعة من الأسئلة الصغيرة.

السؤال الأول، هل تتمتع بنتايغا بنفس الحضور الذي يتوفر لـ رانج روفر؟ الإجابة هي بالتأكيد لا، وهنا لا أود أن أخوض في مسألة الشكل الخارجي لأكرر نفس الكلام الذي لم ننفك أنا وزملائي من أهل الصحافة من تكراره منذ ظهور السيارة بحلتها الاختبارية، أو أن أقول بأنّ بنتايغا هي أول سيارة بنتلي خالية من أي لمسة جمال، فهذا الأمر قد لا يكون موضوعياً، ولو أنّ الموضوعية تفرض عليّ القول بأنّ بنتلي لا تمتلك ما يمكنها أن تغري به من يشاهدها سوى أنها تحمل شخصية بنتلي الوقورة، فهي كالشقيقة القبيحة لملكة الجمال تشبهها بالملامح العامة ولكن ليس بالصفات.

فإذاً لا مجال للمقارنة بين جمال رانج روفر وتصميم بنتلي، وبالتالي فإنّ الإجابة على السؤال الأول باتت معروفة، لذا فلننتقل إلى السؤال الثاني، ما هي المشاعر التي تنتابك خلف المقود في كلتا السيارتين؟ هنا يكمن الاختلاف الكبير، ففي مقابل وضعية قيادة رانج روفر الشهيرة المرتفعة التي توفر إشرافاً لا مثيل له على الطريق مع نوافذ بحافة منخفضة تساهم بتأمين مجالات رؤية ممتازة في جميع الاتجاهات، توفر بنتايغا تجربة قيادة رياضية تسيطر عليها مجموعة ميكانيكية دافعة تعمل بسلاسة فائقة تشعر معها بأنّ علبة التروس الأوتوماتيكية ذات النسب الثماني تفهم تماماً ما يحتاجه محرك الأسطوانات الاثنتي عشر سعة 6.0 ليتر مع شاحن هواء توربو مزدوج كي ينقل قوة الـ 600 حصاناً نحو العجلات الأربع، وأنّ العجلات الأمامية جاهزة دائماً لرصد أي حركة تقوم بها على المقود كي تترجمها عبر تغيير لوجهة السيارة بشكلٍ دقيق، علماً أنّ المقود يُعتبر أكثر من ممتاز، إن لناحية حجمه أو لنحية تصميمه ووضعية تثبيته. وفي المقابل، فهذا لا يعني أنّ محرك رانج روفر ذو الأسطوانات الثماني سعة 5.0 ليتر وقوة 542 حصاناً لا يتمتع بسلالة في عمله وتواصله مع علبة التروس ذات النسب الثماني، بل على العكس من ذلك ولكن في مقابل تجربة القيادة المميزة التي توفرها بنتلي والتي تبلي بلاءها الحسن على الطرقات المعبدة تبقى رانج روفر متحيزة أكثر للمفهوم الكلاسيكي لمركبات الدفع الرباعي المتعددة الاستخدام، فهي على الطريق توفر ذاك الشعور المميز بالسمو ولو على حساب مستويات التماسك عند المنعطفات، فيما توفر خارج الطرقات أداء يسمح لها بجتياز العقبات كل العقبات (أو ربما تقريباً كل العقبات) مع مجلات رؤية مميزة في جميع الاتجاهات. فبمناسبة الحديث عن الرؤية، لا بد من الإشارة إلى أنّ بنتلي لا توفرها بنفس القدر الذي تتمتع به رانج روفر.

اليوم لم تعد أي سيارة تتمتع بخلوص مرتفع، نظام دفع رباعي وصندوق خلفي كبير هي مركبة دفع رباعي متعددة الاستخدام من فئة واحدة

ونصل الآن إلى السؤال الثالث، ما هي السيارة التي توفر مستويات فخامة أعلى في الداخل؟ وهنا قد تظن عزيزي القارئ أنّ الإجابة محسومة منذ البداية وأنّ بنتلي هي بالتأكيد التي تتمتع بأفضل مقصورة، ولكن لا ففي مقابل لوحة قيادة السيارة الآتية من كرو (مقر بنتلي) والتي تميل نحو الروح الرياضية عبر التصميم المميز الذي يحمل سمات الشركة الفاخرة، تتمتع رانج روفر بصف مقاعد خلفية تليق بكبار رجال الأعمال (أي مالك السيارة) مع مساحة رحبة للغاية تتوفر بفضل قاعدة العجلات المطوّلة لنسخة التجربة (تتوفر السيارة أيضاً بقاعدة عجلات تقليدية)، علماً أنّ الجالسين على المقاعد الخلفية في رانج روفر يمكنهم الاستفادة من طاولتين شبيهتين بما يتوفر على متن الرحلات التجارية مع فارق بسيط هو أنها تأتي مصنوعة من الخشب الفاخر، أما المقاعد الخلفية في بنتلي فهي جيّدة ولكنها لم تصمم للمالك أبداً، فالأخير يتوجب عليه أن يبقى على المقعد الأمامي ليستمتع بتجربة قيادة مميزة.

وبمناسبة الحديث عن المقاعد، لا بد أن نشير إلى أنّ كلتا السيارتين تتمتع بأفخر أنواع الجلود التي قام خبراء بتحديد كل عنصر من عناصر حياكته بدقة.

وبعد الإجابة على الأسئلة الفرعية، فلننتقل للإجابة على السؤال الكبير، هل يتوجب على رانج روفر أن تتنحى عن عرش مركبات الاستخدام المتعدد الفاخرة لصالح القادمة الجديدة، خاصةً أنّ هذه الجديدة تنتمي إلى العائلة الأرستقراطية البريطانية؟ الإجابة هي طبعاً لا وذلك لأن كلاهما وان كانتا تنتميان لنفس الفئة السعرية وكلاهما تصنفان ضمن فئة الاستخدام المتعدد، إلا أنّ لكل واحدة منهما شخصيتها الخاصة وسحرها الخاص. ففيما تتميز بنتلي بعلامتها التجارية الملكية، تجربة قيادتها الممتعة، ولمن يهتم لقب أسرع مركبة استخدام متعدد مع القدرة على تجاوز حاجز الـ 300 كلم/س، تتميز رانج روفر بالرقي، الجمال، وضعية القيادة المشرفة على الطريق والهالة الأسطورية التي تحيط بها من كل حدب وصوب.

وفي الختام، لا بد أن ننتبه لأمر ما وهو أنّ عصرنا الحالي هو غير العصر الذي وُلدت رانج روفر فيه، فاليوم لم تعد أي سيارة تتمتع بخلوص مرتفع، نظام دفع رباعي وصندوق خلفي كبير هي مركبة دفع رباعي متعددة الاستخدام من فئة واحدة، وذلك لأنّ هذا النوع من السيارات بات وسيلة نقل مختلفة قائمة بحد ذاتها، لذا وكما لا يمكننا مقارنة رانج روفر مع بورشه كايين لأن الأولى فاخرة والثانية رياضية، كذلك الأمر بالنسبة للعلاقة بين رانج روفر وبنتلي، فكل واحدة من هاتين السيارتين هي ملكة متربعة على عرش فئتها.