مما لا شك فيه أنّ سيارات السيدان الكبيرة الحجم والفاخرة تمثل الواجهة المشرقة لأي صانع سيارات عالمي، فهي وإن كانت غير مسؤولة عن جلب الأرباح المالية وضخها في حسابات ذاك الصانع المصرفية، إلا أنها بالتأكيد المسؤول الأول والأخير عن مكانته في عالم السيارات. ولعل الأمثلة على ذلك كثيرة، أبرزها ما حصل قبل بضعة أعوام مع مرسيدس الفئة E، إذ أنّ النجاح الكبير الذي عرفته ولا تزال تعرفه صغيرة شتوتغارات يعود بجزء منه إلى الشبه الكبير الذي يجمعها بشقيقتها الكبرى الفئة S، والأمر نفسه قد ينطبق على رانج روفر إيفوك، أودي A4 وربما بورشه ماكان، فكم من قرار شراء لإحدى تلك السيارات تم فقط لأنها بمثابة نسخة أقل كلفة تحتوي على جرعات مخفّفة من سحر شقيقتها الأكبر حجماً.

وبما أنّ حديثنا اليوم هو عن الشقيقات الأكبر حجماً، فلا بد لنا أن نبدأ بالقادمة الجديدة إلى هذه الفئة، أو بالأحرى العائدة إلى هذه الفئة، أي كاديلاك التي أعتقد شخصياً بأنها استعادت صوابها مع CT6. فرغم أنّ عودة الصانع الأمريكي إلى ساحة الأحداث كانت قد تحقّقت قبل سنوات مع طرازات نارية كـ CTS-V بأجيالها الثلاثة وATS V مؤخراً، إلا أنّ تلك العودة كانت بالقول وليس بالفعل وذلك لأن تحقيق الأرقام القياسية على حلبة نوربورغرينغ لم يكن يوماً السبب بجعلنا (أو بجعلي على الأقل) نقع في غرام سيارات كاديلاك، بل هو التألق على متن سيارة أمريكية فاخرة يقارب طولها الأمتار الستة أو حتى الجلوس قربها وتأمل خطوطها التي تنبض بفخامة لم يكن لها نظير في عالم السيارات، أي ما كان يتوفر لطرازات من عيار دوفيل وبروغهام وغيرهن من ساحرات الصانع الأمريكي التي يمكننا أن نقول بأنّ جيناتها قد عادت للظهور على خطوط CT6 الخارجية، وإن كان بحلة عصرية جديدة، وبذلك فإنّ الصانع الأمريكي الذي عاد بقوة قبل حوالي 14 عاماً مع الجيل الأول من CTS كان دائماً بنظري صانع آخر يحمل الأحرف التي عندما تجتمع تشكل عبارة كاديلاك. أما اليوم ومع CT6، فقد عادت كاديلاك التي خطفت في الماضي قلوب الملايين بشخصيتها الأمريكية الفاخرة والأصيلة.

وبمناسبة الحديث عن العودة (بالفعل لا بالقول)، لا بد من الإشارة إلى أنّ الساحة التي تجد كاديلاك نفسها فيها اليوم هي التي تحتل فيها السيارات الألمانية الفاخرة موقع الصدارة متسلحةً بتقنيات ربما لم تكن لتخطر في البال قبل اليوم، مع مواصفات ميكانيكية وخصائص ديناميكية متفوقة قد لا تتوفر بنفس الجودة للأمريكية، فـ مرسيدس الفئة S التي تشاهدها هنا تفتخر بكونها قادرة على تدليل مالكها كما لا يفعل أحد من خلال صف مقاعد خلفي يوفر تجربة مفعمة بالراحة والرفاهية. أما BMW، فبالإضافة إلى تجربة القيادة المفعمة بنفحة رياضية التي توفرها للسائق، تتميز بهيكل يعتمد في بنيته على ألياف الكربون، لذلك وإذا كنت تعتقد بأننا أحضرنا CT6 إلى هذه المواجهة بهدف جعلها تشعر بأنها في موقع المتخلف عن غريمتيها الألمانيتين فإنّ هناك ما قد يكون غاب عن بالك وذلك لأن كاديلاك تتمتع بما يجعلها قادرة هنا على الوقوف وقفة عز، فما هو هذا الشيء تابع معنا عزيزي القارئ هذا التقرير لنكتشف ذلك سوياً.

على صعيد التصميم الخارجي، وفي مقابل النفحة الرياضية التي تظهر على جسمي BMW ومرسيدس (إن بنسب متفاوتة)، تعتمد كاديلاك تصميماً ينحاز نحو الخطوط الرسمية أكثر مما يحاول مخاطبة عشاق النفس الرياضي، وبذلك تتفوق كاديلاك في هذه النقطة كونها لا تحاول عبثاً أن توفق بين الشخصية الأرستقراطية الرسمية الطابع وبين الروح الرياضية التي قد لا تتناسب مع من يرغب بإطلالة فاخرة على الطريق.

على الصعيدين الميكانيكي والديناميكي، وبفضل هيكل متطوّر تمّ فيه الاعتماد على مادة الألومنيوم بشكلٍ مكثّف، تتمتع CT6 بوزن منخفض يعزز قدراتها، كما أنّ الخيارات الميكانيكية المطروحة في السيارة والتي تتألف من محركي ست أسطوانات مثبّتة على شكل الحرف V الأول بسحب عادي سعة 3.6 ليتراً يولد قوة 335 حصاناً على سرعة 6,800 دورة في الدقيقة والثاني مع شاحن هواء توربو سعة 3.0 ليتر بقوة 404 أحصنة على سرعة دوران تبلغ 5,700 دورة في الدقيقة يضعانها في مرتبة الأقوى بين منافستيها، فـ مرسيدس وضمن الفئة S400 تتوفر بمحرك يتألف من ست أسطوانات مثبّتة على شكل الحرف V سعة 3.0 ليتر مع شاحن هواء مزدوج يولد قوة 329 حصاناً على سرعة دوران محرك تبلغ 6,000 دورة في الدقيقة مع عزم دوران أقصى يبلغ 480 نيوتن متر على سرعة دوران محرك تتراوح بين 1,600 و 4,000 دورة في الدقيقة، أما BMW فمع740 Li تأتي بمحرك من ست أسطوانات أيضاً سعة 3.0 ليتر يولد قوة 326 حصاناً على سرعة دوران محرك تبلغ 5,500 دورة في الدقيقة وعزم دوران أقصى يبلغ 450 نيوتن متر على سرعة دوران محرك تتراوح بين 1,380 و5.000 دورة في الدقيقة.

ولكن، وإن كان هذا الأمر يسجل لمصلحة كاديلاك ضمن تجربتنا هذه، إلا أنّ ما تعاني منه الأمريكية هي أنها غير قادرة على الانتقال للمرحلة الأعلى، فهي لا تتوفر بخيار محرك من ثماني أسطوانات كذلك الذي يتوفر لفئتي S500 من مرسيدس و 750 Li من البافارية. وهنا لا يسعنا سوى أن نعود للقول الذي يفيد بأنّ السيارة التي يُفترض بها أن تُعيدنا إلى أمجاد ماضي السيارات الأمريكية يتوجب عليها أن توفر الخيار الكبير ميكانيكياً الذي لطالما عُرفت به الأخيرة. فرغم أنّ العصر الحالي بمتطلباته يفرض نهج المحركات الصغيرة المعزّزة بأجهزة توربو، ورغم أننا كررنا غير مرة بأنّ الأداء الميكانيكي هو دائماً أهم من مجرد عدد أسطوانات أكبر، إلا أنّ السيارة الأمريكية الفارهة يجب أن تكون آخر من يستغني عن النوع الكبير من المحركات.

وبالانتقال إلى الداخل، سيجد مالك CT6 نفسه داخل مقصورة قيادة فاخرة ابتعدت معها كاديلاك كل البعد عن نوعية المساومة التي يمكنك أن تجدها على متن فئات ATS وCTS، فنوعية الجلد الذي يكسو المقاعد هو من أفضل ما يكون، أما نظيره الذي يكسو لوحة القيادة وحشية الأبواب الداخلية فإن كان بجودة أقل إلا أنه يبقى أكثر من ممتاز وربما أفضل مما يتوفر لدى بعض المنافسات الأوروبيات.

وإذا كان علينا أن ننتقد أمر ما في السيارة فهو وجود بعض لمسات ألياف الكربون، خاصةً على القسم السفلي من لوحة القيادة، وذلك ليس لأن هذه المادة لا تتمتع بجودة عالية، بل لأنها ترمز إلى الأداء الرياضي الذي لا يتناسب مع الشخصية التي تطرح السيارة نفسها ممثلاً أبرزاً لها.

ومن التجهيزات التي بالتأكيد لم تكن تتوفر لأي سيارة أمريكية فاخرة في الماضي إلا أنها في صلب نمط الحياة الأمريكية هو نظام الاستماع الموسيقي المتطوّر من نوع "بوز باناراي" الذي يبث نغماته الرخيمة من خلال 34 مكبر صوت مثبتين ضمن توزيع مدروس لتأمين نقاوة صوت استثنائية، علماً أنّ السيارة تأتي أيضاً مع  كاميرا الرؤية الخلفية على المرآة الداخلية، ويعد هذا الابتكار الاستخدام الأول لتقنية الرؤية الكاملة في السيارات، خاصةً أنها تمزج ما بين تقنية الكاميرا ومرآة الرؤية الخلفية داخل السيارة لعرض رؤية واضحة للجهة الخلفية بدون أي عائق.

ونبقى في الداخل ولكن على المقاعد الخلفية، فرغم أنّ مقاعد CT6 الخلفية القابلة للتعديل كهربائياً وتوفر مستويات راحة عالية تساعدها في تحقيق ذلك مساحة رحبة، إلا أنها لا ترتقي ولا بأي شكل من الأشكال مع ما يتوفر لدى مرسيدس وBMW. ففيما توفر مرسيدس مقاعد يمكنها أن تتحوّل إلى شبه سرير، شبيهة بمواصفاتها لما يتوفر لمقاعد الدرجة الأولى على متن الطائرات التجارية مع فارق بسيط هو بأنها أكثر فخامة بكثير من حيث تصميمها والمواد المصنوعة منها، خاصةً الجلد الفاخر ومادة الالكنتارا التي تغطي مساند الرأس الشبيهة بالوسائد المريحة، كما أنها توفر جهازي تدليك وتبريد، توفر البافارية من جهتها نفس المواصفات تقريباً ضمن مقصورة قيادة بمستوى فخامة وراحة يسمح لها بأن تتحول إلى سيارة قادرة على جعل أي رحلة على متنها جلسة تهدئة أعصاب تنقلك إلى عالم آخر عنوانه الرئيسي الراحة والاسترخاء، هذا دون أن ننسى المستشعرات التي تلتقط الحركة الإيمائية لليد لتسمح لك برفع صوت نظام الاستماع الموسيقي أو خفضه، الرد على المكالمات الهاتفية وغيرها من الوظائف.

من خلف المقود، مما لا شك فيه أنّ العلامة التجارية التي حملت شعار آلة القيادة المطلقة هي الأفضل ديناميكياً، فخلال القيادة السريعة وعند ضبط البافارية على النمط الرياضي تكاد تنسى أنك على متن سيارة يبلغ طولها 5,238 ملم وعرضها 1,902 ملم بسبب مستويات الرشاقة وسهولة السيطرة التي توفرها لك.

وفي المقابل، تتمتع مرسيدس بجهاز التعليق الذي يعدّل نمط خمده بشكلٍ استباقي لضمان أقصى درجات الراحة من جهة، مقابل تماسك عالي من جهة أخرى، إلا أنه يبقى متطرفاً بعض الشيء نحو مستويات الراحة المتفوقة على حساب أي أمر آخر. أما كاديلاك، فرغم أنّ عودتها إلى عالم الفخامة مع CT6 هي بالفعل وليس فقط بالقول، إلا أنها لم تعد كما كانت في السابق تضع مستويات الراحة المفرطة فوق أي اعتبار، حتى ولو كان هذا الاعتبار من النوع الذي يصب في خانة السلامة وذلك لأن تعليقها يؤمن لها تماسكاً لا بأس به أبداً بشكلٍ يتناغم مع قوة محركها وسلاسة أدائه.

فإذاً، وإذا قررنا غض النظر عن سلاح CT6 القوي في مواجهة الألمانيات، هذا السلاح الذي يتمثل بالنكهة الأمريكية الرسمية الفاخرة، تلك النكهة التي من شأنها أن تضفي رونقاً محبباً على الفئة التنفيذية الفاخرة لنتجاهل أيضاً القوة الحصانية الأعلى التي يوفرها محركها ذو الأسطوانات الست سعة 3.0 ليتر المعزز بشاحن هواء توربو، فإنّ الأمريكية قد لا تمتلك تقنياً ما يمكّنها من الوقوف وقفة عز أمام BMW 740 Li ومرسيدس S400. ولكن هنا سيتدخل سلاح كاديلاك الأقوى، السعر المنخفض البالغ 298,000 درهم إماراتي، فمع هذا المبلغ بإمكانك أن تحصل على سيارة تتمتع من الخارج بهيبة كبيرة على الطريق مقابل مواصفات لا يمكن سوى أن نقول عنها بأنها فاخرة من الداخل، أما إذا أردت التوجه نحو صالات عرض الصانع البافاري فعليك أن تحمل معك مبلغ إضافي يبلغ 182,000 درهم إماراتي لتتمكن من المغادرة على متن 740Li، مقابل ذلك وفي حال كانت نجمة شتوتغارت الثلاثية هي التي تبهرك فعليك أن تضيف إلى المبلغ الذي كنت لتدفعه ثمناً للأمريكية مبلغ يزيد بمقدار 281,000 درهم، فهل الفارق التقني والتجهيزي بين كاديلاك من جهة وبين BMW ومرسيدس يبرر فارق السعر المهول؟ ومن يوفر للمستهلك سهولة تحقيق حلم الحصول على سيارة تنفيذية فاخرة؟ لعلك تدرك الآن الإجابة على هذا السؤال.