في ثمانينيات القرن الماضي وعندما كشفت فيراري عن طراز F 40، كان الهدف المعلن لوصول هذه السيارة إلى صالات عرض الصانع الإيطالي حول العالم هو كما نعرف جميعاً الاحتفال بذكرى مرور 40 عاماً على ولادة أول سيارة مخصّصة للطرقات تحمل شعار الحصان الجامح الشهير. ولكن في الحقيقة، كان هناك هدف آخر ربما لم تُعلن مارانيلو عنه بشكلٍ رسمي، إلا أنّ حضوره كان واضحاً في خلفية قرار إنتاج F 40، هذا الهدف لم يكن سوى الرد على طراز 959 الذي أنتجه بورشه في نفس الحقبة تقريباً والذي شكل آنذاك وبما تمتع به من تقنيات حديثة قمة التطور العلمي في عالم السيارات. إلى هنا كل شيء طبيعي، ولكن الغير طبيعي هو أنّ F 40 التي تمكّنت أن تقف في وجه 959 وقفة عز أتت على عكس غريمتها الألمانية شبه خالية من أي تعقيدات تقنية، إذ اكتف معها مهندسو الحصان الجامح بما قل ودل على صعيد التجهيزات إيماناً منهم بأنّ كل ما يحتاجه السائق خلف مقود سيارة رائعة الأداء هو هيكل خفيف متوازن، محرك قوي وعلبة تروس متجاوبة، وبذلك سُجل لـ فيراري آنذاك أنها تمكّنت من تحقيق النجاح بمكونات بسيطة دون الاضطرار للذهاب إلى ساحة معركة التطور التقني التي رفعت زوفنهاوزن آنذاك رايته.

مع أودي A4، فإنّ علامة الحلقات الأربع اعتمدت نفس النهج الذي التزمت به فيراري في الماضي!!

أما اليوم ومع أودي A4، فإنّ علامة الحلقات الأربع اعتمدت نفس النهج الذي التزمت به فيراري في الماضي، ولكن ليس من خلال الابتعاد عن التطور التقني (فهي تزخر بالكثير منه) ولكن على صعيد التصميم الخارجي. فبعد أن قدّمت مرسيدس الجيل الحالي من الفئة C بخطوط عصرية متطورة تتشابه إلى حدٍ بعيد (وربما تتفوق عليها على صعيد الأناقة) مع خطوط شقيقتها الكبرى S، قرّرت أودي عدم الدخول في معركة التصاميم الثورية بل البقاء في ساحة الخطوط المحافظة التي تحتل فيها حالياً مكانة السيدة الأولى، وكونها تؤمن بأنّ ما يحتاجه عميلها الكريم وهو جالس على مقعدها الأمامي الأيسر هو منظومة دفع متطورة تعمل بسلاسة، جهاز تعليق متوازن وتجهيزات تقنية راقية.

ولكن، وبما أنّ مرسيدس ليست وحدها التي ترغب أودي بالرد عليها في قطاع سيارات السيدان الصغيرة الفاخرة، وبما أنّ الثالوث الألماني (مرسيدس، BMW وأودي) ليس وحده في الميدان بعد أن انضمت إليه كاديلاك مع ATS من جهة، وعادت إليه جاكوار مع XE من جهة أخرى، كان لا بد لنا وكالعادة أن نُقيم لـ A4 حفل استقبال دعونا إليه الأمريكية والبريطانية، بالإضافة طبعاً إلى الفئة C التي نالت سابقاً لقب أفضل سيدان فاخرة من مجلة ويلز. 

في البداية، لا بد من الإشارة إلى أنّ عقلية المحافظة في أودي فرضت سيطرتها الشبه كاملة على خطوط السيارة الخارجية، باستثناء المقدمة التي تزهو بخطوط عصرية أنيقة مع نفحة رياضية واضحة. وهنا قد يكون هدف أودي هو توفير سيارة بتصميم يتمكّن من العيش لأطول فترة ممكنة بدلاً من الحصول على خطوط مبهرة سرعان ما تفقد بريقها بعد عام أو عامين من التواجد في الأسواق. ولعل هذا الكلام كان من الممكن لي أن أختتم به الحديث عن التصميم الخارجي لـ أودي A4 لو أنه لم يصدف لي مشاهدة مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي تظهر فيه نسخة من الجيل الثالث لطراز A6 بخطوطه الخارجية الرائعة التي لا تزال عصرية حتى يومنا هذا، فهنا علينا طرح السؤال التالي: هل ستتمكّن جديدة أودي من المحافظة على رونقها حتى بعد مرور عشر سنوات على ولادتها كما يحصل الآن مع شقيقتها A6 (الجيل الذي أُنتج ما بين العامين 2004 و2011) أم أنّ العلامة التجارية التي تتخذ من أنغلوشتات مقراً لها تحتاج لإعادة توظيف ولتر دي سيلفا على رأس قسم التصميم لديها؟!

ولكن من جهة أخرى، ورغم المحافظة التي قد يرى البعض بأنّ أودي تعاني منها، إلا أنّ A4 تمكّنت من الجمع بين التصميم الراقي والروح الشبابية ضمن توليفة مميزة، وذلك على العكس مما يتوفر لغريمتها الألمانية مرسيدس التي قد تتمتع بتصميم بالغ الأناقة يظهر نقلة نوعية بالمقارنة مع ما كان يتوفر لدى الجيل السابق، إلا أنّ تشابهها الكبير مع الفئة S يجعلها تبدو وكأنها الخيار الأمثل للمتقدمين نسبياً في العمر، علماً أنه وفي هذا المجال فإنّ نجمة شتوتغارت الثلاثية ورغم تمكّنها من التربع على عرش سباقات الفورمولا واحد خلال الأعوام الأخيرة وتوفيرها لطرازات شبابية عالية الأداء كـ AMG GT وA45 على سبيل الذكر لا الحصر، إلا أنّ سياراتها السيدان تعاني من صبغة التقدم بالعمر بالمقارنة مع منافساتها الأخريات. وهنا نصل إلى كاديلاك وجاكوار، فالأخيرة كانت تعاني من نفس ما تعانيه مرسيدس إلا أنها انتفضت مؤخراً على هذا الواقع وباتت معظم طرازاتها الموجهة لفئة الشباب من المستهلكين ومنها طراز XE تتمتع بشخصية شبابية واضحة، فيما لم تتمكّن كاديلاك من الحذو حذوها مع طراز ATS ذو الخطوط الوفية لتاريخ الصانع الأمريكي الفاخر.

من الداخل، وفيما لا تعاني كل من جاكوار XE وكاديلاك ATS من أي ضعف تصميمي في مقصورة قيادتهما، إلا أنهما لا ترتقيان لعملانية أودي A4 أو لسحر تصميم مرسيدس الفئة C، خاصةً على صعيد جودة المواد. فالبريطانية ورغم تشابه تصميم لوحة قيادتها مع ما يتوفر لشقيقتها الثرية XJ، خاصةً لجهة قسمها الأعلى الذي يمتد ليشمل حشية البابين الأماميين، إلا أنك تشعر بوجود البلاستيك القاسي داخلها بنسبة كبيرة، وهذا ما ينطبق أيضاً على الأمريكية التي تعاني مقصورتها من رائحة غير عطرة تؤكد على استخدام مواد ذات جودة غير عالية. وهنا قد تتساءل عزيزي القارئ هل يجب علينا أن نتحدث عن الرائحة التي تتواجد داخل السيارة، إلا أنّ حقيقة الأمر هي أنّ هذه السيارات الفاخرة يجب عليها أن تتمتع برائحة فاخرة تظهر منذ اللحظة الأولى التي تجلس داخلها، وهذا أمر تبذل عليه الشركات الكثير من الجهد كي تتمتع سياراتها في النهاية برائحة مميزة تساهم بتعزيز تجربة امتلاك طراز فاخر. وفي هذا المجال تسجل نقطة كبيرة لـ أودي التي تتمتع مقصورتها برائحة عطرة وفاخرة في آنٍ معاً.

ومن التجهيزات المميزة التي تتوفر لـ أودي A4 هو نظام علبة الهاتف من أودي الذي يؤمن إمكانية شحن الهاتف النقّال بالطاقة لاسلكياً ويعزّز من جودة صوت الاتصال الهاتفي، علماً أنه يمكنك أن تشبك النظام بهاتفين معاً بحيث تستطيع إجراء اتصالات مع المكتب عبر الهاتف المخصّص للعمل، من ثم وبشكلٍ مباشر عقد اتصال مع عائلتك عبر الهاتف الشخصي.

على الطريق، توفر أودي التي تتمتع بمحرك يتألف من أربع أسطوانات سعة 2.0 ليتر مع شاحن هواء توربو مزدوج بقوة 252 حصان تناغماً عالياً بين التماسك على المنعطفات وبين الراحة فوق المطبات أو تعرجات الطريق، وذلك على الرغم من أنّ معظم الوقت الذي أمضيته خلف مقودها كان مع الاعتماد على نمط القيادة الأكثر رياضيةً، أي "دايناميك". أما المحرك، فيعمل بتناغم عالي مع علبة التروس الأوتوماتيكية من سبع نسب بسلاسة مطلقة، فالأخيرة توفر القوة والعزم إلى العجلات الدافعة بشكلٍ فعّال وضمن توليفة مميزة تجمع بين النعومة والنبض الرياضي المثير.

ودائماً خلف مقود جديدة أودي، لا بد من ذكر أنَ تعشيق النسب يتم بشكلٍ بالكاد تتمكّن من الشعور به على سرعاتٍ منخفضة مقابل حدوثه بدقة عالية خلال التعشيق على سرعات دوران محرك تبلغ حدها الأقصى. أما خلال اجتياز المنعطفات، فلا داعي هنا للتذكير بأنَ السيارة تتمتع بنظام كواترو للدفع الرباعي، كما لا داعي لإعادة التذكير أنه يوفر للسيارة تماسكاً مثالياً. وما يلفت النظر أيضاً في السيارة هو المقود الدقيق ذو قطر الالتفاف الضيّق والذي يوفر للسيارة قدرة عالية على المناورة في الأماكن الضيّقة.

وبالانتقال إلى البريطانية التي تتمتع بمحرك من أربع أسطوانات أيضاً سعة 2.0 ليتر بقوة 236 حصاناً على سرعة دوران محرك تبلغ 5,500 دورة في الدقيقة مقابل عزم دوران أقصى يبلغ 340 نيوتن متر على سرعة دوران تبلغ 1,750 دورة في الدقيقة، فخلال الانطلاق على متنها اعتمادا على نمط القيادة الديناميكي، سرعان ما يمكن أن تلاحظ سلاسة أداء علبة تروسها والتعشيق المباشر الذي توفره عند استخدام العتلات المثبّتة خلف المقود، كما أنه على وضعية التعشيق اليدوية يتم حجز النسب المختارة من قبل السائق ما لم يعمد الأخير لجذب عتلة التعشيق صعوداً مهما ارتفع مستوى دوران المحرك، وهذا من شأنه أن يسمح باستخدام كامل نطاق العزم الذي توفره كل نسبة على حدى. أما بالنسبة للانقيادية، فهي جيداً جداً وتعززها مستويات التماسك العالية.

وعند الجلوس خلف مقود مرسيدس C 250 التي يتوفر لها محرك رباعي الأسطوانات سعة 2.0 ليتر مع توربو يولد قوة 211 حصان على سرعة دوران محرك تبلغ 5,500 دورة في الدقيقة وعزم دوران يبلغ 350 نيوتن متر على سرعة دوران تبلغ 1,200 دورة في الدقيقة، يصاب المرء بشيء من الإحباط، فرغم وزنها الذي انخفض بمقدار 100 كلغ بالمقارنة مع الجيل السابق بفضل البنية الجديدة التي تعتمد أكثر على مادة الألومنيوم، إلا أنّ هذا الأمر لا يترجم من خلال أداء رياضي عالي على الطريق. ولكن بما أنّ الهدف من C 250 ليس هو نفس الهدف المطلوب من الشقيقة النارية AMG C63، فإنّ ما يوفره محرك الأسطوانات الأربع يُعتبر كافياً لتحريك جسم السيارة الأكثر جاذبية بين السيارات الأربع التي يتحدث عنها هذا التقرير. وفيما لم يتمكّن الوزن الأخف لجسم الفئة C من تعزيز أدائها على الطريق، فإنه تمكّن من مساعدة نظام التعليق الهوائي (الذي زُودت به سيارتنا) على توفير أداء ديناميكي أكثر من مقبول.

أما كاديلاك، فإذا أردنا أن نقول عنها بأنها لا توفر انقيادية مريحة أو تماسك مقبول مع قوة تسمح لها بأن تنطلق نحو الأمام بكل ثقة فبذلك نكون قد ظلمناها، فهي تجمع بين أطراف معادلة التماسك مقابل الراحة بقدر محترم، إلا أنها وبالمقارنة مع منافساتها وخاصةً أودي وجاكوار تتخذ لنفسها مركز متخلفاً بعض الشيء في هذا المجال، علماً أنها وعلى الصعيد الميكانيكي فهي تتمتع بمحرك من أربع أسطوانات سعة 2.5 ليتر يولد قوة 202 حصاناً على سرعة دوران محرك تبلغ 6,300 دورة في الدقيقة مقابل عزم دوران يبلغ 258 نيوتن متر على سرعة دوران تبلغ 4,400 دورة في الدقيقة.

وبعد ما تقدم، وإذا كان يتوجب علينا أن نرفع ميزان العدل لإصدار الحكم النهائي، فعلينا أن نقول بأنّ هناك حقاً رابحة أولى بنتيجة لا تقبل الجدل وهي A4 من علامة الحلقات الأربع المتداخلة التي وإن كانت تعاني من ضعف في حلقة من حلقاتها (التصميم الخارجي)، إلا أنّ الحلقات الأخرى تتمتع بقوة عالية سمحت لها بأن تكون بالإجمال، الحلقة الأوثق بين المنافسات، خاصةً أنها تُعتبر الأسرع، الأخف وزناً والأكثر متعةً في القيادة. أما في خلف أبنة أنغلوشتات، فتصل كل من جاكوار ومرسيدس على مسافة قريبة، إذ تتميز البريطانية بتصميمها الشبابي الذي وإن كان غير مميز بالقدر الذي نتوقعه من سيارة تحمل شعار القط الواثب على جسمها، إلا أنها نزعت عنها صفة التصميم الذي يناسب كبار السن أكثر مما يناسب أصحاب الدماء الفتية بشكلٍ نهائي. في المقابل وبالنسبة الألمانية الثانية، أي مرسيدس، فهي التي تتمتع بجودة عالية مغلفة باسم جذاب وخطوط أكثر جاذبية (وإن كانت تعاني من نقص في الروح الشبابية).

وبالوصول إلى كاديلاك ذات العمر الفتي في فئة السيدان الصغيرة الفاخرة، فيكفيها فخراً أنها قادرة من المحاولة الجدية الأولى (الجيل الأول لـ ATS) أن تقف وقفة الند للند في وجه منافسة من هذا العيار رافعةً في وجهها إنذاراً شديد اللهجة يُفيد بأنّ الأمور لن تكون على ما هي عليه اليوم عند ظهور الجيل الثاني، خاصةً وأنها تتوفر بسعرٍ منافس للغاية يسمح لك بأن تحصل مقابل مبلغ 33,967 دولار أمريكي على سيارة سيدان فاخرة.