قد لا تكون فئة السيدان الكبيرة الفاخرة بنفس أهمية الفئات الأقل منها حجماً بالنسبة لأي صانع أوروبي يسعى أولاً وأخيراً لتسويق سياراته في القارة العجوز، إلا أنّ مرسيدس وBMW  ليسا أي صانع أوروبي لا يضع من الأهداف سوى ما يصب حصراً في مصلحة حساباته المصرفية، كما أنّ الفئة التي نتحدث عنها هنا هي التي لا تكتسب أهميتها لأنها البقرة الحلوب التي تدر ملايين الدراهم بعد تحقيق مبيعات مرتفعة وعائدات كبيرة ناجمة عن عمليات الصيانة وبيع قطع الغيار كما يحدث مع فئة السيدان المدمجة الحجم على سبيل المثال، بل لأنها الفئة التي يسمح لها سعرها المرتفع بأن تمثل أقصى ما يتمكّن مطلق صانع من توفيره من تقنيات متطورة في طرازٍ ما، فضلاً عن أنها تستقطب طبقة النخبة (المالية) ضمن أي مجتمع بما فيها المشاهير الذين يتمتعون بتأثير كبير على محيطهم ويشكلون بالتالي دعاية مجانية تصيب الهدف أكثر من أي إعلان تجاري آخر مدفوع الثمن. لذا، وانطلاقا مما تقدم، فإنّ الصانع الذي يحقق التقدم على منافسيه ضمن هذه الفئة هو الذي يحمل راية التطوير ليصبح المثل والمثال في صناعة السيارات.

 ولعل مرسيدس من خلال أجيال الفئة S المتعاقبة كانت هي ذاك المثل والمثال الذي يسعى الجميع للحاق به. وهنا لا بد لي أن أعود بالذاكرة إلى العام 1991 عندما قدّمت نجمة شتوتغارات الثلاثية الجيل الذي حمل الرمز W140 من السيارة، والذي أتى حاملاً معه الكثير من التقنيات المتقدمة التي أذكر منها الزجاج المزدوج للنوافذ، جهاز المساعدة على غلق الأبواب وغيرها من التجهيزات المتطورة التي سعى الجميع لاستنساخها في سياراته ليتوالى هذا الأمر جيلاً بعد جيل. ولكن مؤخراً حدث ما ربما لم يكن في الحسبان، فبعد أن قدّمت مرسيدس الجيل الأحدث من الفئة S حاملاً معه كالعادة تقنيات حديثة بالغة التطور على غرار جهاز التعليق الذي يعدّل نمط خمده بشكلٍ استباقي ليتناسب مع حالة سطح الطريق الذي تقترب السيارة منه، كان رد  BMW قاسي عبر رفع مستوى التحدي مع جيل جديد من الفئة السابعة حمل معه تقنيات مبتكرة لا تقل أهمية عن ما توفره مرسيدس، تقنيات تبدأ بالهيكل المدعّم بألياف الكربون ولا تنتهي مع نظام التحكم الإيمائي ضمن فصل آخر من فصول الحرب الباردة التي لا نملك غيرها وصف يتحدث عن العلاقة بين الصانعين الألمان الكبار.

ورغم برودة هذه الحرب، إلا أنّ حرارة المنافسة على هذه الصفحات هي بالتأكيد مرتفعة، وكيف لها أن لا تكون كذلك بين سيارتين باتتا متقاربتين من حيث الفخامة والتطور أكثر من أي وقتٍ مضى. ففي مقابل الشخصية الشبابية التي تتوفر للبافارية، تتمتع مرسيدس بإطلالة أرستقراطية يصعب مقاومة سحرها، أما بالنسبة للتجهيزات فلكل واحدة من السيارتين ما تتميز به عن الأخرى.

في مقابل الشخصية الشبابية التي تتوفر للبافارية، تتمتع مرسيدس بإطلالة أرستقراطية يصعب مقاومة سحرها

على صعيد الشكل الخارجي، فإنّ أكثر ما يلفت النظر في BMW هي شبكة التهوية الواسعة والتي تتمتع بنظام يتحكم بفتح وغلق مصاريعها بهدف مساعدة المحرك على رفع حرارته في الأجواء الباردة من جهة، مقابل حمايته من الأتربة والأوساخ من جهة أخرى. وفي مقابل ذلك، تزهو مصابيح الإنارة الأمامية التي تعمل بتقنية الليزر وتضفي صبغة مستقبلية على المقدمة، أما باقي تفاصيل التصميم الخارجي في البافارية فتطغى عليها الخطوط المستقيمة أفقياً بشكلٍ يُعطي إيحاءاً بصرياً بأنّ السيارة أطول من ما هي عليه في الواقع، ومن الخلف، تساهم الخطوط الدقيقة والناعمة للمؤخرة بتعزيز الشخصية الرياضية نسبياً للفئة السابعة مع تصميم يحاكي ما يتوفر لسيارات الكوبيه.

وفي مقابل روح BMW الشبابية، تتبع الفئة S من مرسيدس نمطاً تصميمياً كان الهدف الأساسي منه عندما تفرّغ فريق تصميم شتوتغارت لتنفيذه هو رفع مكانة السيارة أكثر فأكثر بين نظيراتها الفاخرات، خاصةً بعد توقف إنتاج طرازات مايباخ (57 و62) فمن خلال مقدمة تحتوي على مصابيح إنارة أمامية كبيرة الحجم تتناغم مع خطوط جانبية ناعمة ومؤخرة تحتوي على مصابيح توقف أكبر حجماً ضمن توليفة يفيض منها الشعور بالثراء، أصبحت الفئة S قادرة على الوقوف بكل بهاء أمام أفخر السيارات في العالم، خاصةً وأنها باتت تحتوي ضمن فئاتها المتعددة فئات تحمل شعار مايباخ الشهير. ولكن في مقابل ذلك، فإنّ ما قد يُضعف موقف مرسيدس بنسبة معيّنة على صعيد التصميم هو عدم قدرة الفئة S على التمييز بشكلٍ أكبر بعد إطلاق الفئة C خلال العام الماضي والفئة E الجديدة مؤخراً مع ما تحملانه من تشابه كبير تبدو معه الأولى وكأنها نسخة مصغّرة والثانية كأنها نسخة متوسطة الحجم من سيدة مرسيدس الأولى.

أما من الداخل، فتوفر مرسيدس مقاعد شبيهة بمواصفاتها لما يتوفر لمقاعد الدرجة الأولى على متن الطائرات التجارية مع فارق بسيط هو بأنها أكثر فخامة بكثير من حيث تصميمها والمواد المصنوعة منها، خاصةً الجلد الفاخر ومادة الالكنتارا التي تغطي مساند الرأس الشبيهة بالوسائد المريحة مما يسمح لك بأن تغرق في نوم عميق خلال القيام برحلات سفر طويلة أو بعد يوم مرهق في المكتب، علماً أنّ المقاعد يمكنها أن تتحوّل إلى شبه سرير، كما أنها توفر جهازي تدليك وتبريد.

وليست المقاعد الخلفية وحدها ما يعكس أعلى مستويات الفخامة، وذلك لأنّ تلك الفخامة تصل أيضاً إلى الحشيات الداخلية للأبواب التي تزهو بتصميم فني راقي معزّز بإنارة رومنسية خافتة، ولعل هذا التصميم الذي يعتمد على مجموعة من المواد الفاخرة التي تشمل الجلد، الكروم والخشب هو أكثر ما يميز السيارة ويعطيها رونقها الخاص، خاصةً وأنه يتناغم مع الروحية الفاخرة والشاعرية التي تسيطر على لوحة القيادة ذات التصميم الساحر.

البافارية من جهتها وكما ذكرنا خلال التقرير الذي تحدث عن تجربة قيادتها الأولى في الإمارات قبل حوالي أسبوعين، فهي التي تؤمن مقصورة قيادتها مستوى فخامة وراحة يسمح لها بأن تتحول من آلة قيادة مطلقة إلى سيارة قادرة على تحويل أي رحلة على متنها إلى جلسة تهدئة أعصاب تنقلك إلى عالم آخر عنوانه الرئيسي الراحة والاسترخاء، هذا دون أن ننسى المستشعرات التي تلتقط الحركة الإيمائية لليد لتسمح لك برفع صوت نظام الاستماع الموسيقي أو خفضه، الرد على المكالمات الهاتفية وغيرها من الوظائف.

وبفضل اعتماد BMW على مواد عازلة للصوت عالية الفعالية، فإنّ الصمت هو ما يفرض سيطرته على أجواء المقصورة عندما تقرر إيقاف عمل جهاز الاستماع الموسيقي، فعندها بالكاد تسمع صوت دوران العجلات فوق سطح الطريق أو صوت الرياح التي تعصف حول السيارة.

ميكانيكياً، ورغم أنه كان من الأفضل لنا أن نجلب الفئة S500 من مرسيدس كونها هي الأقدر على مواجهة    BMW 750 Li التي يضمها هذا التقرير، إلا أنّ سبب عدم قيامنا بذلك يعود لعدم توفير مرسيدس لهذه السيارة ضمن أسطولها الحالي المخصّص للصحفيين، لذا كان علينا أن نكتفي بالفئة S400 مع محرك يتألف من ست أسطوانات مثبّتة على شكل الحرف V سعة 3.0 ليتر مع شاحن هواء مزدوج يولد قوة 329 حصاناً على سرعة دوران محرك تبلغ 6,000 دورة في الدقيقة مع عزم دوران أقصى يبلغ 480 نيوتن متر على سرعة دوران محرك تتراوح بين  1,600 و 4,000 دورة في الدقيقة.

من جهتها، تتمتع 750 Li بمحرك يتألف من ثماني أسطوانات مع شاحن هواء مزدوج خضع للكثير من التعديلات خلال رحلة وصوله إلى الفئة السابعة الجديدة، إذ تمّ استبدال شاحني هواء وتركيب مجاري سحب جديدة (لأول مرة لسيارة إنتاج تجاري يتم توصيلها جزئياً إلى رأس كل أسطوانة)، كما تمّ رفع نسبة الانضغاط وإعادة تصميم نظام التبريد، وبالتالي فإنه بات يولد قوة 450 حصاناً عند 5,500 دورة في الدقيقة وعزم دوران يبلغ 650 نيوتن متر عند 1,800 دورة في الدقيقة.

ولعلنا لا نحتاج للكثير من الذكاء كي ندرك بأنّ 750 Li تتفوق ميكانيكياً بنسبة كبيرة على S400، إلا أننا وكي نعقد مقارنة عادلة بين السيارات على صعيد ما توفره كل واحدة من شعور خلف مقودها اعتمدنا على أمرين، الأول هو أننا قمنا في الماضي بقيادة الفئة S500 ضمن أكثر من مناسبة، والثاني هو أنّ تجربة قيادة أي من السيارتين ليست بهدف معرفة من منهما تتمكّن من الدوران حول حلبة سباق بزمن أفضل، أو ربما اجتياز منعطفات جبل حفيت بسرعةٍ أعلى، بل هو تحديد أي منهما قادرة أكثر على توفير تجربة قيادة فاخرة ومميزة على الطريق. وضمن هذا المجال، تتفوّق BMW كونها توفّر من خلال نظام تعليق هوائي متأقلم تلقائياً على كلا محوري العجلات ما يكفي ويزيد من مستويات الراحة دون أن تضحي ولا بأي شكل من الأشكال بالقدرة على توفير تجربة قيادة ديناميكية مثيرة نسبياً بفضل استخدام تقنية البلاستيك المقوى بألياف الكربون التي ساهمت بخفض وزنها بنسبة كبيرة، فيما تبدو مرسيدس متحيّزة أكثر نحو توفير مستويات راحة عالية جداً تجعلك تعتقد بأنك تجلس على غيمة تتنقل بك فوق الاسفلت.

وفي الختام، قد يكون من الصعب توجيه أي انتقاد لـ مرسيدس التي تربعت على عرش الفئة التي نتحدث عنها هنا لعقود طويلة من الزمن، فهي التي نالت بفضل ذلك هالة أسطورية لا يمكن تجاهلها بسهولة، كما أنها تحمل من التقنيات ما لا زلت غير قادر حتى الساعة على تصديق أنه بات متوفراً في زمننا هذا، وهنا أقصد جهاز التعليق الذي يعدّل نمط خمده بشكلٍ استباقي. ولكن المشكلة مع سيدة مرسيدس الأولى هي أنها متطرفة بعض الشيء ومنحازة نحو الشخصية الفاخرة ومستويات الراحة المتفوقة في مواجهة بافارية باتت تتمتع بتقنيات عالية وابتكارات تتوفر أيضاً لأول مرة في عالم صناعة السيارات في إطار سيارة تتمتع بتصميم شبابي فاخر وتوفر تجربة قيادة لا تخلو من الروح الرياضية، مع المحافظة على مستويات راحة أكثر من كافية لذلك. وبما أنّ الاعتدال هو دائماً أفضل من التطرف، وبما أنّ تنفيذ أي أمر متوازن ومتعدد الأهداف هو بطبيعة الحال عملية تتفوق بصعوبتها على تنفيذ أمر آخر ذو هدف واحد محدّد، لذا لا يسعنا سوى القول بأنّ الفئة السابعة من BMW هي التي تنال إعجابنا أكثر.