مما لا شك فيه أنّ السيارات الكبيرة الفاخرة، أو الرياضية المتطرفة، تكتسب أهميتها من كونها تمثل الواجهة التقنية البهية لأي صانع، ضمن ما يمكن اعتباره بمثابة دعاية مجانية صادقة تترسخ في وجدان الناس، ولعل الأمثلة في هذا المجال كثيرة، أبرزها ما حصل في الماضي القريب عندما أصرّت كل من فولكس فاغن وتويوتا على تمويل إنتاج طرازي بوغاتي فيرون ولكزس LFA، فرغم أنّ الفرنسية الفائقة السرعة واليابانية المصقولة كسيف قاتلي الساموراي كبدا شركتهما خسائر مالية محترمة بدلاً من تحقيق أرباح، إلا أنهما شكلتا برهاناً قوياً على ما يمكن للصانعين العملاقين أن يصلا إليه في مجال التطوير. ففيما يكفي فولكس فاغن فخراً بأنها أنتجت أسرع السيارات في العالم وأكثرها قوة، لا تزال لكزس حتى الساعة تلقي الضوء على ما تتمتع به طرازاتها الأخرى من تشابه ضمن بعض الأمور مع LFA في كل مرة تقدم فيها منتج جديد.

ولكن في الوقت الذي نرغب فيه نحن عشاق القيادة المثيرة بأن يستمر الصانعون بإنتاج تلك السيارات الفاتنة المظهر الممتعة الأداء، هناك من يعمل على جمع أطراف المعادلة الصعبة، معادلة من النوع الذي يوفق بين الأداء المثير، عملانية الاستخدام اليومي والكلفة المعتدلة (وبالتالي المبيعات المرتفعة التي تؤمن الأرباح للشركات والتمويل للمشاريع الجريئة كـ فيرون وLFA) كالثلاثي الذي تتابعون معنا الحديث عنه. وهنا، قد يشكك مشكك بأنّ فئة السيدان الصغيرة الحجم التي تحمل كل من جاكوار XE S، لكزس IS 350 ومرسيدس C 450 سماتها الوراثية ليست هي الفئة الأفضل لجمع أطراف المعادلة الصعبة التي ذكرناها، ولكن إذا لم تكن هذه الفئة هي خير من يلعب هذا الدور فمن هي الفئة القادرة على ذلك؟ سؤال من الصعب الإجابة عليه دون الوقوع في فخ الجدل الطويل، لذا فلنكتفي بهذا القدر من المقدمات ولننتقل للحديث عن هذه المقارنة التي تجمع حاملة لقب سيارة العام 2015 من ويلز لفئة السيدان الفاخرة الصغيرة، أي الفئة C، إلى جانب حاملة نفس اللقب ولكن خلال العام 2012 والقادمة الجديدة جاكوار XE.

في البداية، وبمجرد تأمل السيارات الثلاث وهن مركونات جنباً إلى جنب حتى يلاحظ الناظر بأنّ جاكوار وعلى صعيد الشكل الخارجي تناقض المفهوم الذي كان مترسخاً لدى العملاء والذي يفيد بأنها مخصّصة للمتقدمين في السن، فهي قد لا تكون وفيّة لسحر سيارات جاكوار الأخرى، إلا أنها تبدو أكثر شبابية من مرسيدس ذات الخطوط المشابهة إلى حدٍ بعيد بخطوط الفئة S الكلاسيكية التصميم رغم الإضافات الرياضية التي تتمتع بها، كفتحات التهوية ضمن الصادم الأمامي بشكلٍ عام والصادم الخلفي بشكلٍ خاص، فضلاً عن أنابيب العادم المميزة في تصميمها، إلا أنّ التذمر من هذا الأمر ليس مناسباً، أولاً لأنّ مسألة التشابه مع الفئة S الأسطورية ليست عيباً بأي شكل من الأشكال، وثانياً لأن الفئة C تبدو بنظري الأكثر أناقة بين السيارات الثلاث، خاصةً وأنّ لكزس تلعب على وتر الخطوط الهجومية المستلهمة من تصميم طراز LFA الذي ذكرناه في البداية مع مقدمة تعزز مصابيح الـ LED نظرتها الشريرة.

داخل لكزس لا يمكن لأحد أن ينتقد مستويات الراحة التي تؤمنها مقصورة القيادة المعزّزة بمواد عالية الجودة وبتوضيب عملي، إلا أنّ التحكم بنظام المعلومات والترفيه عبر مقبض صغير يحاكي بعمله عمل فأرة الحاسب الالكتروني يُعتبر أمر أكثر من مزعج إلى درجة تعتقد معها أنّ من صمّم هذا النظام عمل في السابق على تصميم اللعبة الخاصة بالتقاط الدمى داخل مدن الملاهي، إذ تحتاج معها لأن تكون أعصاب يدك حديدية كي تتمكّن من وضع العلام على النقطة المخصّصة للتحكم بأي وظيفة من وظائف السيارة.

ومن جهة أخرى، تتميز مقاعد IS 350 الأمامية القابلة للتعديل في مختلف الاتجاهات بتوفير الدعم والأمان، بحيث يساعد هذا الأمر على زيادة تركيز السائق وتتيح له تحكم أفضل بالسيارة. كما تساهم الإضاءة العصرية والمواد الفاخرة والمزايا الأخرى في المقصورة في إبراز أعلى مستويات الجودة والرفاهية.

أما عندما تجلس داخل مقصورة مرسيدس فستجد نفسك محاط بالأناقة من كل جانب مع نفحة رياضية تبرز من خلال الكونسول الوسطي المصنوع من الألومنيوم المشابه للألياف الفحمية وباللون الفضي، ومن ثم تشغل المحرك عبر الضغط على الزر المخصّص لذلك فتعطي العوادم الخلفية شارة البدء بعزف الألحان الميكانيكية الرخيمة، الأمر الذي يرفع مستويات الأدرلينالين في جسمك إلى أقصى الدرجات متوقعاً تجربة قيادة مليئة بالإثارة، ولكن ما أن تهم بضبط نقل الحركة على الوضعية D باحثاً عن مقبض علبة التروس الذي يفترض به أي يكون مثبّت وسط الكونسول الوسطي كما في أي سيارة طبيعية تتمتع بنفس رياضي معزّز حتى تتذكر أنّ مرسيدس بذلت أقصى جهدها لتوفير ذاك النفس الرياضي المعزّز من خلال مقود ذو إطار سميك مطعّم بالجلد والالكنتارا مع عتلات تعشيق معدنية متينة، ثم وبعد كل ذلك أفسد الأمر عبر طريقة ضبط وضعيات علبة التروس التي تعود إلى القرن الماضي من خلال مقبض بلاستيكي مثبّت في عامود المقود لتكون بذلك كالبقرة التي رفست دلو الحليب بعد أن ملأته بأجود ما تمتلكه من مواد غذائية. وهنا، قد يكون السبب باعتماد هذا المقبض هو ترك مساحة ضمن الكونسول الوسطي لتوضيب حاملات الأكواب بشكلٍ عملي، ولكن أعتقد أنّ مرسيدس كانت قادرة على ابتكار طريقة أخرى توفق بين عملانية الاستخدام والشكل الرياضي. فكما أنّ لتطعيم المقصورة بالألومنيوم الشبيه بالألياف الفحمية يهدف فقط لإعطاء مظهر رياضي لا فائدة أخرى منه، كذلك هو هذا المقبض الذي يقتل أي مظهر رياضي رغم عملانيته العالية.

وبالانتقال إلى XE، لعل أكثر ما يلفت الانتباه هو تصميم لوحة القيادة المشابه لتصميم الشقيقة الثرية XJ، خاصةً لجهة قسمها الأعلى الذي يمتد ليشمل حشية البابين الأماميين. أما وضعية القيادة فهي تحتضن السائق بشكلٍ يجعل معظم الأدوات في متناول يديه، إلا أنه إذا كان لا بد من انتقاد أمر ما فهو أنّ دواستي الوقود والمكابح متقاربتان إلى بعضهما البعض بشكلٍ قد يربك السائق في البداية قبل أن يعتاد عليهما.

ميكانيكياً، تتمتع مرسيدس بمحرك يتألف من ثماني أسطوانات سعة 3.0 ليتر مع شاحن هواء توربو يولد قوة 367 حصاناً على سرعة دوران محرك تبلغ 5,500 دورة في الدقيقة مقابل عزم دوران يبلغ 520 نيوتن متر على سرعة دوران محرك تبلغ 2,000 دورة في الدقيقة يتصل بعلبة تروس أوتوماتيكية من سبع نسب مع قابض فاصل مزدوج.

أما جاكوار فتأتي مجهزة بمحرك من ست أسطوانات سعة 3.0 ليتر مع توربو يولد قوة 335 حصاناً على سرعة دوران محرك تبلغ 6,500 دورة في الدقيقة مقابل عزم دوران أقصى يبلغ 450 نيوتن متر على سرعة 4,500 دورة في الدقيقة، بحيث تنتقل هذه القوة وذلك العزم نحو العجلات الدافعة عبر علبة تروس أوتوماتيكية من ثماني نسب.

أما لكزس، فتتمتع بمحرك يتألف من ست أسطوانات سعة 3.5 ليتر مع بخ مباشر للوقود وقوة 306 أحصنة عند سرعة دوران محرك تبلغ 6,400 دورة في الدقيقة. أما فيما يتعلق بنقل الحركة، فهي تتم عبر علبة تروس أوتوماتيكية من ثماني نسب.

وتستفيد IS من تقنيات مستوحاة مما طُوّر لشقيقتها الأكبر GS، كقضبان منع التمايل القاسية والتعليق الخلفي المتعدد الوصلات، فضلاً عن الأذرع المثبّتة بوضعية متراجعة إلى الخلف، بالإضافة إلى نظام اختيار وضعية القيادة المناسبة الذي يعدّل كل من نسب الخمد في جهاز التعليق، نسبة المساعدة المتوفّرة للمقود، استجابة دواسة الوقود ونقاط تعشيق نسب علبة التروس بشكلٍ يتناسب مع كل نمط من أنماط القيادة المتوفرة.

على الطريق وفي مرسيدس فإنك ستستمتع إلى أقصى الدرجات بما توفره السيارة في هذا المجال، خاصةً بفضل القوة التي يوفرها المحرك للعجلات والتي لا داعي لتذكير بأنها تترافق مع نغمات ميكانيكية تُطرب الأذان. ورغم أنّ عمل جهاز شحن الهواء يتأخر قليلاً قبل أن يتدخل لإشباع نهم العجلات الدافعة للتسارع، إلا أنّ القوة التي تتوفر للأخيرة عند عمله تعوض عن هذا الأمر بنسبة محترمة. أما نظام التعليق الذي يحمل إمضاء AMG والذي يتألف من مخمدات قابلة للتعديل ضمن ثلاث وضعيات مختلفة هي الوضعية المريحة، الوضعية الرياضية والوضعية الرياضية المعزّزة، فرغم أنه يبقى في مختلف وضعياته محافظاً على التماسك العالي حتى ولو على حساب مستويات الراحة، إلا أنه وبكل بساطة يتناسب مع الشخصية الرياضية الواضحة للسيارة.

أما للباحثين عن التعليق المريح والقوة المولدة من خلال محرك يتنفس طبيعياً فإنهم سيستمتعون بقيادة لكزس IS 350 ، ففي اليابانية يعمل المحرك على توليد قوته الحصانية العالية قبل أن تستلمها علبة التروس بنسبها الثماني وتنقلها بسلاسة نحو العجلات الدافعة، أما بالنسبة لمولد الصوت الذي جُهز به المحرك فيعمل على توليد هدير محبّب عند التسارع، هدير رغم أنه اصطناعي، الا أنه يرفع من حماسة السائق ويدفعه إلى اعتماد نمط قيادة رياضي هجومي تظهر معه أبرز مميزاتIS ، ولكن مجدداً فإنّ الصوت المولد صناعياً لا يمكن أن يرتقي ولا بأي شكل من الأشكال مع صوت طبيعي ناجم فعلياً عن احتراق مزيج الهواء والوقود.

وبمناسبة الحديث عن القدرة على التوجيه، لا بد من الإشارة إلى أنها تتوفر من خلال مقود يوفّر للسائق معلومات دقيقة عن ما يدور تحت العجلات الأمامية.

 

وفي مقابل تفوق لكزس على مستوى الراحة والأداء السلس، تظهر نتيجة المجهود الكبير الذي قام به رجال جاكوار عند تصميمهم لهيكل XE الذي يعزّز قدراتها الديناميكية بنسبة كبيرة، فخلال الانطلاق بالسيارة معتمداً نمط القيادة الديناميكي، سرعان ما يمكن أن تلاحظ تماسك السيارة مع الطريق عند الوصول إلى أول منعطف، علماً أنّ هذا الأمر يترافق مع سلاسة أداء علبة التروس والتعشيق المباشر الذي توفره عند استخدام العتلات المثبّتة خلف المقود، كما أنه على وضعية التعشيق اليدوية يتم حجز النسب المختارة من قبل السائق ما لم يعمد الأخير لجذب عتلة التعشيق صعوداً مهما ارتفع مستوى دوران المحرك، وهذا من شأنه أن يسمح باستخدام كامل نطاق العزم الذي توفره كل نسبة على حدا. أما بالنسبة للانقيادية فهي جيداً جداً.

والآن حان وقت نصب ميزان ويلز (المتعدد الدفات طبعاً) لمعرفة إلى أي دفة سيميل الأخير. ففيما تتمتع دفة المركز الثاني التي تقف عليها جاكوار بما يرجح خيارها على صعيد الديناميكية العالية والتصميم الرياضي الشبابي، تقف لكزس على دفة المركز الثالث رغم انقياديتها المريحة والسلسة وانتماء محركها إلى الفئة التي تتنفس طبيعياً، فضلاً عن أقدميتها على صعيد العمر، الأمر الذي يشفع لها بنسبة محترمة في حال لم تتمكّن من التماشي مع سيارات أحدث منها. أما الدفة الرابحة فهي التي تحتلها مرسيدس مع تصميمها الثري والأنيق، مقصورتها الخلابة والعالية الجودة وصوت محركها الرائع. أما بالنسبة لعتلة ضبط عمل علبة التروس التي تحدثنا عنها مطولاً، فهي بطبيعة الحال لا تخطر على بالك أبداً خلال القيادة الديناميكية السريعة التي تبلي فيها الألمانية بلاءها الحسن.