يعاني عشاق السيارات ومنذ فترة ليست بالقليلة من أزمة كبيرة صابت محبي أسطوانات المحركات أكثر من غيرهم. فالقلوب الميكانيكية التي كانت تتألف عادة في الماضي من ثمان أسطوانات أصبحت اليوم ست، والست باتت أربع، والأربع ثلاث وبعض الأسطوانات اختفت كلياً لصالح محركات كهربائية صامتة ومملة. وحتى في الحالات النادرة والتي لم يتم فيها إلغاء أي أسطوانة، فإن الأخيرة خضعت لخفض في السعة ولرفع في نسبة الانضغاط ولمزيد من الضغط والانفجارات في داخلها... ولا شك بأن الأسطوانات تمر في فترة صعبة ولا تعيش يومها على النقيض من الماضي حيث شهدت الكثير من المجد والعز.

على أي حال، بعض الشركات مثل أودي أبقت على جزء من محركاتها دون المساس بعدد أسطواناتها، وهذا ما شهدناه مع الجيل الأحدث من أودي TT RS، والتي لم يطرأ أي تغيير على عدد أسطواناتها أو سعة محركها مقارنة بالجيل السابق. ولا شك بان هذه الظاهرة فريدة بعض الشيء في أيامنا هذه مع سعي الشركات إلى الحد من استهلاك وقودها بشتى السبل والأشكال.

ونحن اليوم نتحدث عن أيقونة ميكانيكية بالنسبة إلى أودي، أي محركها الشهير الخماسي الأسطوانات سعة 2.5 ليتر مع شاحن هواء توربو. وبدورنا لا يسعنا سوى أن نرفع القبعة وننحني أمام الألمانية احتراماً لها على تقديرها لأيقونتها هذه وعدم المساس بجوهرها.

ولكن مهلاً، لا تذهب بعيداً في خيالك، فـ أودي وطاقمها الهندسي لم يقوما بجلب المحرك القديم المطابق للمواصفات الآنفة الذكر والعمل على تعديله لوضعه في طراز TT RS الأحدث والذي جرى بناءه على قاعدة العجلات الجديدة MQB المستخدمة في الجيل الثالث من TT. إذ أرادوا الاحتفال بأفضل طريقة بمرور 40 عاماً على محرك الأسطوانات الخمس في تاريخ أودي الغاضب، لذلك قاموا بتطوير محرك جديد بالكامل أكثر إثارة وغضباً من أي وقت مضى!

القلب الميكانيكي الجديد بات يولد 395 حصاناً، أي أكثر بـ 60 حصاناً من المحرك السابق الموجود في الجيل الماضي من TT RS، فيما يتمتع بعزم مميز مع 480 نيوتن متر. ومن المؤكد بأن أودي أصابت عصفورين بحجر واحد مع محركها الجديد، فهو أخف وزناً وأصغر حجماً من محرك الأسطوانات الست، كما أنه أكثر قدرة وراحة على توفير أداء فائق من محركات الأسطوانات الأربع التي تتطلب بذل الكثير من الجهد في سبيل ذلك. ومن الصعب للغاية على النوع الأخير بلوغ ذروة العزم عند سرعات دوران منخفضة مثل 1,700 دورة في الدقيقة كما في محرك الأسطوانات الخمس الجديد.

وبصراحة، ليس من السهل وحتى على الأشخاص المحترفين توقع وجود قلب من خمس أسطوانات تحت غطاء مقدمة TT RS عند الجلوس خلف مقودها ما لم يقم أحد بإخبارك بهذه المعلومة. غير أن أودي وللأسف لم تضع المحرك تحت غطاء المقدمة فحسب، بل في أقصى المقدمة تقريباً وهذا ما تسبب في تركز الوزن في الأمام بشكل يتسبب أثناء القيادة بسرعات عالية بانحراف المحور الأمامي عند دخول المنعطفات.

تتمتع TT RS برشاقة مذهلة يعززها أبعادها المدمجة بجانب وزنها الذي جرى خفضه بمقدار 35 كلغ مقارنة بالجيل السابق

ومضيت إلى حلبة ديل خاراما في شمال إسبانيا لاختبار صاحبة الحلقات الأربع الجديدة، والتي كانت أكثر من مذهلة على المقاطع المستقيمة من الحلبة الإسبانية خاصة عند الانطلاق بها بعد تفعيل نظام التحكم بالانطلاق. فبصورة مذهلة يصعب تصديقها، لم تحتج TT RS سوى إلى 3.7 ثانية لبلوغ عتبة الـ 100 كلم/س من التوقف! لا تنسوا هذه ليست سوبر رياضية والأكثر من ذلك مزودة بمحرك من خمسة أسطوانات فقط!

وما أثارني أكثر هو قيامها بهذه العملية دون أي دراما أو مبالغة، فلم تدر الإطارات حول نفسها إلا بشكل بسيط للغاية ومحدود. وأود توجيه نصيحة لكل من سيقتني هذا الطراز في المستقبل بتوخي الحذر عند الانطلاق بها من على الإشارات الضوئية أو حتى في الحياة اليومية، فهو قادر على التسارع بشكل مذهل وخاطف.

وبالعودة إلى حلبة ديل خاراما التي وإن فقدت مكانتها كجائزة إسبانيا الكبرى في سباقات الفورمولا واحد منذ العام 1981 بعد السباق الذي توج به جيل فيلنوف، وذلك كونها ضيقة أكثر مما ينبغي بشكل يحد من قدرة السيارات الفائقة السرعة على التجاوز. إلا أنها ما زالت موطناً للعديد من الفعاليات الميكانيكية مثل سباقات السيارات السياحية، الدراجات النارية وحتى الشاحنات. وهذه هي المرة الأولى التي أخوض بها فوق الحلبة، لذا قمت أولاً بلفة تحمية حولها خرجت بعدها بنتيجتين.

النتيجة الأولى هي بأن الحلبة أكثر من ساحرة مع سطح مضمار محدود التماسك وتفاوت في معالمها بشكل يفرض الكثير من التحديات على السائقين بعكس ما يظهر خلف شاشات التلفاز. أما النتيجة الثانية فهي وبصرف النظر عن الأداء المذهل لمحرك الأسطوانات الخمس، يصدر عنه هدير لا يمكن وصف مدى روعته وينجم عن ترتيب اشتعال الأسطوانات 1-2-4-5-3 والذي أيقظ في داخلي الحنين لمحركات الماضي بألحانها الميكانيكية العذبة.

وتتمتع TT RS برشاقة مذهلة يعززها أبعادها المدمجة بجانب وزنها الذي جرى خفضه بمقدار 35 كلغ مقارنة بالجيل السابق. غير أنه ومع ذلك لا يعتبر خفيفاً، إذ يبلغ 1,440 كلغ. ولكن بفضل القوة والعزم الكبيرين ونظام الدفع الرباعي كواترو، لا تشعر بوجود أي وزن ثقلي أو حتى وزن بالمطلق!

ولكن حتى مع وجود نظام الدفع الرباعي وخفض الأوزان المعلقة في الأمام، إلا أن TT RS وبسبب قوتها الهائلة نسبة إلى حجمها، تعاني وبشكل واضح عند السرعات العالية وأثناء دخول المنعطفات من انحراف في محورها الأمامي، أو هذا ما شعرت به على الأقل في الحلبة الإسبانية. ويحسب لـ أودي خفض وزن المحرك بمقدار 26 كلغ مقارنة بالسابق وذلك بفضل الجسم المصنوع من الألومنيوم الأخف بـ 18 كلغ من نظيره المصنوع من الحديد.

وللحد أيضاً من الأوزان في الأمام وزيادة فعالية الكبح، أنصح وبشدة طلب المكابح المصنوعة من السيراميك والكربون، فبجانب فعاليتها الشديدة، تحد من الوزن المطبق على العجلات الأمامية بدرجة ملحوظة.

ولا أود إيصال فكرة بأن TT RS تعاني حقاً من انحراف محورها الأمامي، فهذا لا يحدث إلا عند الضغط بشدة كبيرة عليها ودخول المنعطفات دون تقديرات جيدة. والسبب وراء ذلك يكمن في تركز 59 بالمئة من الوزن على العجلات الأمامية. وأي سائق متمرس أو حذر وواعي بشكل جيد لا يمكن له أن يتعرض لأي انزلاق في المحور.

ولم تكشف أودي بعد عن سعر TT RS في المنطقة، غير أنها تتوفر في الأسواق الأوروبية بأسعار تبدأ من 66,400 يورو، وهذا ما يضعها سعرياً في نفس المكانة تقريباً مع بورشه كايمان S وBMW M2 وحتى شفروليه كورفيت. غير أن الـ أودي أسرع من جميع السيارات السابقة بجانب تميزها عبر نظام الدفع الرباعي.

إلا أن ما يميز TT RS عن أي سيارة عالية الأداء في العالم ورياضية بكل ما للكلمة من معنى، هو محركها الفريد والغريب بعدد أسطواناته الخمس وبإثارته غير المحدودة...