عزيزي القارئ، إنَ التقرير الذي استلهيت قراءة كلماته الأولى لتوك لا يتحدث عن مقارنة تقليدية كتلك التي نعرضها لك في العادة عليكم، بل عن لقاء جمع بين مدرستين مختلفتين في العادة إلا أنهما التقتا اليوم بشكلٍ أو بآخر، المدرسة الأولى هي تلك التي لا تحتوي صفوفها سوى على مادة واحدة فقط، مادة يعشقها الملايين حول العالم وهي القوة المفرطة حتى ولو على حساب أي أمر آخر، إنها مدرسة العضلات الأمريكية المفتولة التي تمثلها دودج تشالنجر هيلكات اليوم خير تمثيل. أما المدرسة الثانية فهي مدرسة العظمة الإيطالية بوجهها الغاضب – المغاير بعض الشيء لما تقدمه فيراري، عميدة صناعة السيارات الرياضية في إيطاليا – مع الجميلة المتوحشة لامبورغيني أفنداتور التي تمتلك من السحر ما يسمح لها بأن تداعب مخيلة كل من تجري في عروقه دماء الشباب.

في البداية، لا بد من توضيح أمر بالغ الأهمية وهو أنّ السبب الذي دفعنا لجمع هاتين السيارتين أو المدرستين في ساحة واحدة ما هو سوى القوة الحصانية المتقاربة التي تتوفر لكلاهما بشكلٍ عام، ولـ دودج بشكلٍ خاص. فمع لامبورغيني التي ساهمت في الماضي بالتأسيس لفكرة السيارة الرياضية المتفوقة، لعله من الطبيعي أن تتمتع كبرى سياراتها بقوة حصانية عالية، خاصةً وأن هذه القوة تقترن بكل ما تحتاجه السيارة من مقومات ديناميكية تساعد السائق على ترويضها وتوجيهها حيث يحلو التوجيه. أما مع الأمريكية فإنّ ما قامت به هيلكات هو شبيه بما فعلته فيراري F40 خلال ثمانينيات القرن الماضي عندما أخذت ببساطتها الهندسية السيارات الرياضية إلى بعدٍ آخر من الأداء المتفوق، فمع قوة تصل الى 707 حصاناً في إطار سيارة أمريكية فارهة تعتمد هندسة تقليدية ودفع بالعجلات الخلفية وجدت هيلكات نفسها في مواجهة مع السيارات السوبر رياضية على نفس الطريق ولكن ليس بنفس التكلفة.

للحديث عن التكلفة مكان آخر ضمن هذا التقرير، فالأمر الذي نرغب تأكيده هنا، وفي حال كان هناك من لا يزال يعتبر أن جمع لامبورغيني ودودج في نفس الساحة هو أمر غريب، فهو أنّ تشالنجر هيلكات هي سيارة عضلات أمريكية قوية مجنونة، ولكن لامبورغيني هي أيضاً سيارة عضلات ولكن بمفهوم إيطالي منبثق من الرومان الأجداد مع جنون عظمة وغضب مستمد من غضب فيوروتشو لامبورغيني من الكلام الذي وجهه إليه أنزو فيراري في الماضي (رغم أننا لا نعرف ما إذا كانت تلك الرواية صحيحة أم لا) هذا الغضب هو ما يبدو واضحاً على ملامح أفنداتور، شأنها بذلك شأن معظم السيارات التي خرجت من مصانع سانت أغاتا. فعلى الطريق، وخلال تواجدك خلف مقود الإيطالية ضمن وضعية جلوس قريبة جداً من الأرض تماماً كما سيارات السباق، تجد نفسك وكأنك فوق ظهر ثور هائج تخوض معه صراع عنيف كي تتمكّن من توجيهه حيثما تشاء، فما أن تضغط على دواسة الوقود للانطلاق بالسيارة حتى تلاحظ أنّ علبة التروس ذات القابض الفاصل الأحادي تفتقد للنعومة التي تتميز بها علب التروس العاملة بقابض فاصل مزدوج، إذ تلاحظ أنّ هناك تردداً بسيطاً قبل التبديل صعوداً يليه تعشيق عنيف للنسبة التالية. وعلى الرغم من أنّ هذا النوع من القساوة في التعشيق ممتع للسائق، إلا أنه يشعرك بأنه يقف في وجه حدة الهجوم التي يفترض بك أن تشعر بها في هذا النوع من السيارات.

وبسبب عرض السيارة البالغ 2,030 ملم (بدون المرايا الجانبية) تجد نفسك خلف المقود بحاجة لتدبير أمر ما لا يقل عن 1,500 ملم من العرض في القسم الجانبي الأيمن للسيارة وتوجيهه معك خلال المناورة بالسيارة على الطريق، الا أنّ ما يعوض عن هذا الأمر هو المقود ذو الإطار السميك والذي يوفّر لك القدرة على التحكم بالمحور الأمامي بشكلٍ محكم، كما أنه دقيق ومتوازن، الأمر الذي يشجعك على زيادة السرعة أكثر فأكثر، هذا بالإضافة إلى أنّ أفنتادور هي سيارة تكره القيادة على سرعاتٍ منخفضة. ففي مقابل التعشيق العنيف الذي يدفعك إلى الأمام بقوة ما أن تطلق العنان لأحصنتها الأصيلة، يعاني جهاز نقل الحركة ككل من ارتجاج مزعج عند القيادة على سرعاتٍ منخفضة، وهذا ما تمكّنت من ملاحظته خلال السير خلف سيارة المصور بحثاً عن موقع يصلح لالتقاط الصور المرفقة. ويبدو هنا أنّ هذه الحسناء الإيطالية ذات الملامح المتوحشة تعاني من مرض الباركنسون ولكن من النوع الذي لا يظهر سوى على السرعات المنخفضة.

وتوفر أفنتادور ثلاثة أنماط قيادة تتحكم بعمل التعليق، تجاوب المحرك، المقود وجهاز التحكم بالتماسك. وتبدأ هذه الأنماط بالنمط سترادا للقيادة اليومية في المدن وعلى الطرقات السريعة، وتمر بنمط سبورت الرياضي الذي يتم معه تعشيق نسب علبة التروس أوتوماتيكياً، وتنتهي بنمط كورسا المخصّص للقيادة على الحلبات والذي يتطلب منك أن تعشق النسب يدوياً. وهنا، وإذا كانت أصابعك لن تعاني أبداً خلال بحثها عن عتلتي التعشيق المثبتتين خلف المقود نظراً لحجمهما الكبير، إلا أنها ستعاني خلال البحث عن عتلة مؤشر الالتفاف التي تتخذ لنفسها مكان بعيد جداً عن النقاط المثالية لالتقاط المقود.

أما خلف مقود تشالنجر هيلكات، فعند تشغيل المحرك مستخدماً المفتاح الأحمر (الذي يُطلق العنان للأحصنة الـ 707) بين المفتاحين الذين يتوفران لها، يستيقظ الوحش النائم في القسم الأمامي للسيارة ويمارس سطوته على العجلات الخلفية ليفقدها الكثير من قدراتها على التماسك مع الطريق بشكلٍ يمنعها من انتظار العجلات الأمامية كي تتقدم أولاً، لذا يتوجب على السائق أن يمارس بدوره أقصى درجات الحذر خلال اجتياز المنعطفات القاسية التي تفرض عليه السيارة عند بلوغها أن يرفع قدمه عن دواسة الوقود ويضغط قليلاً على المكابح في البداية قبل أن يزيد الضغط عند الاقتراب من منتصف المنعطف.

ومع الوصول الى المقاطع المستقيمة، يمكنك أن تُطلق العنان للسيارة التي تسجل مقدمتها بعض الارتفاع عند الضغط بشكلٍ مفاجئ على دواسة الوقود. ورغم أنّ هذا الأمر قد لا يكون محبذاً من منظار رياضي بحت، إلا أنه يوفر للسائق متعة عارمة وشعوراً عالياً بما توفر له السيارة من إثارة قد لا توفرها أي سيارة أخرى، أو على الأقل إن وفّرتها فهي لن تكون إثارة من نفس النوع. وبالإضافة إلى ذلك وللدلالة على أهمية ما توفره هيلكات لسائقها، يكفي أن نذكر الفراغ الذي ولده انتقال معظم صانعي السيارات من علب التروس اليدوية إلى الأوتوماتيكية في نفس عشاق القيادة الذين فقدوا جراء ذلك أحد أهم الوسائل التي توفر لهم المزيد من الانخراط في عملية القيادة، هذا الانخراط وإن لم يكن متوفراً مع النسخة التي كانت بحوزتنا خلال تجربة القيادة كونها كانت مجهزة بعلبة تروس أوتوماتيكية، إلا أنه متوفر للسائق عبر اضطراره للموازنة بين قوة المحرك وقدرة جهاز التعليق على تحمل السرعة العالية، وهذا ما يلقي على عاتقه مهمة أخرى خلال القيادة، علماً أنّ خيار علبة التروس اليدوية يتوفر في أسواقنا.

من جهة أخرى، وفي حال قرّر السائق (أو بالأحرى سمحت له أعصابه) أن يستخدم تشالنجر هيلكات كوسيلة للتنقل على سرعاتٍ منخفضة أو معتدلة، فإنه سيجدها تتمتع بمستويات راحة كبيرة مع مقصورة قيادة واسعة نسبياً ومقاعد مريحة. فباختصار، يمكننا القول أنّ أداء هيلكات المتوحش عند الضغط على السيارة بقوة يتسم بالكثير من الراحة خلال القيادة الهادئة، وهذا ما يساهم فيه نظام التعليق ذو الخمد المريح.

تخفي أبواب لامبورغيني المميزة دائماً بطريقة فتحها نحو الأعلى باتجاه الأمام وبزاوية مائلة الى الخارج خلفها مقصورة قيادة بالغة التطور تتميز بمقعدين كبيرين يوفر المخصص للسائق منهما وضعية قيادة مثالية بمجالات رؤية كبيرة. وفي مقابل ذلك، تتميز لوحة القيادة بشاشة تُمكَن السائق من الاختيار بين عرض عدّاد السرعة أو سرعة دوران المحرك في مقابل نظره مباشرةً، أما الكونسول الوسطي الضخم فيحتوي على غطاء أحمر يخفي تحته مفتاح تشغيل المحرك.

وبمناسبة ذكر المحرك، وفيما توكل مهمة توليد القوة الحصانية العالية في لامبورغيني إلى محرك يتألف من اثنتي عشر أسطوانة يولد قوة 690 حصاناً على سرعة دوران محرك تبلغ 8,250 دورة في الدقيقة، فيما يبلغ عزمه الأقصى الـ 690 نيوتن متر على سرعة دوران محرك تبلغ 5,500 دورة في الدقيقة، توكل نفس المهمة في تشالنجر هيلكات لمحرك ينتمي إلى عائلة هيمي ويتألف من ثماني أسطوانات سعة 6.2 ليتر مع شاحن هواء يولد قوة 707 حصاناً على سرعة دوران محرك تبلغ 6,000 دورة في الدقيقة تترافق مع عزم دوران يبلغ 881 نيوتن متر على سرعة دوران محرك تبلغ 4,000 دورة في الدقيقة.

أما على صعيد الشكل الخارجي، فمن الممكن لك أن لا تنتبه لمرور طائرة من نوع ايرباص A380 على الطريق دون أن تتمكن من تجاهل أفنتادور، فهذه الإيطالية هي إحدى أجمل سيارات لامبورغيني على الإطلاق، وهي السيارة التي أعادت بتصميمها الجريء، الذي يجمع بين الأناقة والوحشية بتوليفة مميزة وغريبة جداً، أمجاد طراز كونتاش الذي سيطر خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي على مخيلة جيلين كاملين من محبي السيارات الرياضية المتفوقة.

وفي المقابل، قد لا توفر تشالنجر بتصميمها نفس المستوى من لفت نظر وإعجاب المارة على الطريق، إلا أنّ هذا لا يعني أنها ليست جميلة، علماً أنها تلفت الأنظار بشكلٍ أو بآخر بسبب صوت محركها الهادر وخطوطها التي تذكّر بالسيارات التي ترعرعنا ونحن نشاهد المغامرات التي تتم معها ضمن أحداث المسلسلات الأمريكية الشهيرة كـ ستارسكي وهاتش أو ديوك أو ذي هازرد. كما أنّ هناك أمر آخر يلعب لمصلحة تشالنجر وهو أنّ من يشاهدها على الطريق يُدرك بأنّ ما تراه عيناه ليس حلماً مستحيل التحقيق، وهذا ما يدفعه لتأمل خطوطها أكثر وتقديرها، خاصةً إذا ما كان يبحث عن سيارة جديدة يشتريها، فمع سعر يقارب الـ 330,000 درهماً إماراتياً تُعتبر هيلكات حلماً أقرب إلى التحقيق بمقدار كبير جداً من حلم الحصول على لامبورغيني أفنتادور التي لا يقل سعرها بأحسن الأحوال عن 1,580,000 درهماً إماراتياً.

وفي الختام، لا يمكننا أن نحدد أي من السيارتين هي الأفضل، فكما ذكرنا كل واحدة منهما تنتمي إلى مدرسة مختلفة التقت مع الأخرى على الأداء المتطرف والقوة المفرطة. ففيما تنسجم دودج مع المفهوم الأمريكي العام الذي يفرض بأن يكون أي أمر حميد في متناول أكبر شريحة من المجتمع، لا تخفي لامبورغيني انتماءها إلى بلاد التحف النفيسة التي لا تتوفر سوى للنخبة.