بمجرد دخولك إلى ردهة مركز فورد لتطوير الطرازات والمنتجات تظن بأنك مخطئ في المكان للوهلة الأولى، وبانتقالك ما بين دهاليز المركز تشعر وكأنك متجه إلى عيادة طبيب متقاعد أو ربما مكتب محامين متخصصين بقضايا ما تحت سطح البحر، فهذا المكان ذو الخشب العتيق والسجاد السميك يبدو وكأنه أقل شأناً من الورشة التي تزود عروس فورد الأسطورية بكسوتها الداخلية على اعتبارها سيارة سوبر رياضية خرجت بقدرات استثنائية ستدوم للمستقبل، وهذا المكان هو النقيض تماماً لما هو عليه المركز الجديد للأبحاث في "سيليكون فالي"، فالأخير متطور للغاية وحديث ويعكس مدى تطور الشركة الأمريكية. ولكن ربما المظاهر تخدع وما يختبئ بداخل هذا الكهف – إن صح التعبير - من رجال وتجهيزات تعود إلى العصر الحجري ما هو إلا جزء بسيط من لعبة ناجحة انتهجتها فورد طويلاً لتضليل العيون وعدسات المتطفلين عما يتم تطويره في الداخل!

والآن وبعد عام كامل تقريباً على عرض الوجه الأقوى لـ فورد المعاصرة والسوبر رياضية الوحيدة الحالية منها التي تفرض هيبتها على المنافسين، نقوم اليوم بالتعرف على المكان الذي تم فيه تطوير طراز GT والغرفة التي احتضنت المئات من التصاميم الهندسية والمجسمات التشكيلية إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه في نهاية الأمر من شكل وحجم مرعبين وقدرات متطورة. وللوصول إلى تلك الحجرة مشينا أنا وزميلي سراديب طويلة ومتتالية حتى وصلنا إلى أخر نقطة ممكن أن يصل إليها حفارو القبور، وبعد اجتيازنا أخر منعطف صعقنا برؤية ثلاثة مجسمات لـ GT بحجمها الكامل وبالكاد استطعنا تفريقها عن الحقيقية، فأخيراً وجدنا شيئاً يدل على هوية المكان وقد كانت GT تقف لتحيتنا حيث تبدو كالدمى التي يلهو بها الأطفال العمالقة أو تلك التي نشاهدها في المهرجانات الكبيرة لتلفت الأنظار.

ويبدو أن مصممو GT قد عملوا كثيراً باستخدام تلك المجسمات التجسيدية قبل أن يضعوا اللمسات الأخيرة على الشكل النهائي، إذ تم الاعتماد على التجسيد الرقمي في تصميم المكونات الإنسيابية للجسم من الخارج وبالتالي مساعدته في اجتياز اختبار النفق الهوائي الذي يحدد مدى انسيابية خطوطه الخارجية. وفي المقابل فقد تم تصميم المقصورة الداخلية عبر فريق متخصص يرأسه بيل مانغان وهو يشغل منصب مدير التصميم الداخلي لدى فورد، والذي قام بدوره في إنتاج مقصورتين داخليتين على هيئة مجسمات لتصور مقصورة GT على الواقع قبل أن يعتمد التصميم النهائي لها، وهنا يبدو وكأن العمل يجري في مختبرات سرية تحت الأرض، وبالمناسبة فإن مانغان قد شهد بنفسه تطوير الجيلين المتتابعين من GT لعامي 2005 و 2016 ويقول وتعلوه ابتسامة خجولة "لقد كنت صبياً وقتها" بالإشارة إلى الجيل السابق.

هنا وفي هذا القبو المقيت يقيم الكادر الفني المسؤول عن تطوير طراز GT ومنحها الطابع المرجو منها، بحداثة فائقة وقدرات خارقة وبالطبع دون أن يتم الابتعاد عن ماضيها العريق. إذ عمدوا إلى اقتباس العديد من الملامح من الجيل السابق لتغدو كسلسلة واحدة، وهذا الفريق يضم مواهب لا تجدها خارج هذا المكان فهناك أيدي حرفية ومصممين بارعين يجمعهم هدف واحد هو تحقيق المشروع بنجاح. فخلال أكثر من سنة كاملة ظل هذا الفريق بأفراده الـ 15 يضاف إليهم خمسة إداريين موثوقين للغاية كانوا أولئك فقط الأشخاص الذين يمكنهم الولوج إلى هذا المكان المحصن تماماً والمراقب بعناية تامة لعدم السماح لأية معلومة بالتسرب إلى الأوساط الخارجية حتى لمن يعمل في مراكز حساسة لدى فورد! أما مراجعة التصميم فكانت تتم في الليل حصراً عندما يتم التأكد من أن جميع العاملين في مركز التطوير قد أنهوا عملهم وذهبوا لمنازلهم ما عدا الأفراد المعنيين طبعاً.

ويمكنك تخيل كيف تم تصميم فورد GT بمجرد دخولك إلى هذه الغرفة وتأمل ما تحويه من مكونات ملهمة بدءاً من المجسمات إلى الأشكال الهندسية وانتهاءً بالآلات الموسيقية فهذه جميعها تبعث بالأفكار، وهذا الفريق المخضرم ليس مسؤولاً فقط عن تطوير تصميم GT ومكوناتها القياسية وإنما أيضاً مسؤول عن المكونات الخاصة بسباق لومان الشهير أيضاً، علماً أن المعلومات عنها متواضعة ولكن نذكر هنا بأن لسباق لومان ذكرى طيبة في تاريخ فورد والسباقية GT تحديداً إذ أنها تحتفل بمرور 50 عاماً على انتصارها التاريخي في هذا السباق المرهق. وبالتالي فإن تصميم GT الجديدة وبعد طول انتظار لا بد وأن يكون شيء مختلف للغاية خصوصاً وأن هناك تضافر كبير ما بين المجهود البشري وتقنيات الحاسوب حيث تمر خطوط GT قبل أن تصل إليها على ملايين العمليات التي تتم بواسطة الحاسوب، وبالتالي فإن الموضوع لا يقتصر فقط على رتوش ومجسمات يصنعها البشر وإنما يفرض الحاسوب رأيه في تحديد معالم السيارة الجديدة ومستوى انسيابيتها الأفضل، وتلك الدقة تجعلها أكثر حساسية وتعقيد من تصميم طائرة مقاتلة نفاثة. وما يزيد من دقة التفاصيل هو اعتبار هذه الرياضية كجسم يحتاج لمراقبة أكثر من مريض القلب عندما يذهب لعملية تخطيط دقيقة، فالجسم الخارجي لهذه السيارة تم غربلته بدراسة كل قطعة على حدا بوضع مستشعر على كل جزء مهما صغر لتطال حتى قبضات الأبواب وبعدها تغذي تلك المستشعرات أجهزة حاسوب متفوقة يبلغ عددها 28 حاسوباً مكرسة فقط لمراقبة سلوك هذا الجسم على الطريق. وتتصل تلك الحواسيب بوحدة تحكم واحدة تقوم بتزويد السائق بتفاصيل مهمة عن مستوى استجابة المحرك وعلبة التروس ونظام التعليق والثبات الإلكتروني وعزم الدوران وارتفاع مستوى القيادة وغيرها...   

أما السيد غريغ ميتروس وهو مدير قسم التصميم الخارجي لدى فورد في أمريكا الشمالية فقد عاد إلى منزله بعد أن أمضى مع فريق التطوير 14 شهراً، إذ توجب عليهم إنجاز المشروع الذي لا يمكنه تأجيله ووضعه على أولويات حياتهم خلال تلك المدة المحددة والانتقال به نحو المستقبل. ويقول السيد ميتروس:"الجيل المنتج بين عامي 2005-2006 كان عبارة عن طراز أشبه ما يكون بإحياء للطراز الأصلي المسمى GT40. أما الجيل الجديد كلياً فهو ينطلق من مفاهيم الكفاءة والاندفاع نحو الأمام" وهذا ما يأخذنا في نهاية المطاف إلى طراز واحد وهو GT الجديدة والتي قمنا مؤخراً بطلائها باللون الأبيض تمهيداً لتقديمها ضمن معرض ديترويت الدولي للسيارات.

ميتروس الذي يبدو وكأنه محاضر في إحدى جامعات الولايات المتحدة لم يذكر أي جديد عن GT في تصريحاته، ففي العام الماضي وعند تقديم GT في معرض شمال أمريكا في ديترويت قال مديره ونائب رئيس قسم التصميم لدى فورد موراي كالوم الكلام نفسه، بأننا على موعد مع GT الجديدة والتي تبعث بالروح الأصلية لطراز GT40 إلى الحياة بهيئة أكثر اندماجاً مع القرن الواحد والعشرين، وأن هذه الأسطورة استغلت اليوم أحدث ما توصلت إليه تقنيات صناعة السيارات وهندستها لتأخذنا إلى آفاق جديدة ضمن العالم الذي نعشقه.

ومن الواضح أن تصميم السيارة وبناءها مستوحى من الفئة الكلاسيكية، ولكن بخطوط حديثة مستقبلية، تجمع ما بين الزوايا الحادة والخطوط الملتفة. ويبدو واضحاً أن الانسيابية كانت على رأس أولويات فريق التصميم، وهو أمر يظهر بشكل جلي في ممري الهواء المحفورين من وسط الأبواب وحتى مؤخرة السيارة بشكل فريد.

وإذا كان شكل الجسم الخارجي يدل على هويتها، فالمواد المستخدمة في البناء تركز على خفة الوزن والمتانة حيث تبرز ألياف الكربون بوضوح هنا مع استخدام الألومنيوم الخفيف الوزن أيضاً، وقاعدة العجلات مصنوعة بالكامل من ألياف الكربون لتخفيف الوزن وزيادة الصلابة.

أما ما يعنيه مسؤولو التطوير عن أنها أحدث ما توصلت إليه فورد من تقنيات فهذا الادعاء صحيح، فيمكننا فقط الحديث عن تجهيزها بأقوى محركات الأسطوانات الست من عائلة ايكوبوست بسعة 3.5 ليتر مع شاحني هواء توربو، وذلك بدلاً من المحرك ذو التنفس الطبيعي من 8 أسطوانات على شكل الحرف V الموجود أساساً في الكثير من سيارات فورد بما في ذلك طراز GT السابق. أما المحرك الجديد فهو بقوة تتجاوز حاجز الـ 600 حصاناً تنتقل إلى العجلات الخلفية عبر علبة تروس من سبع نسب مثبتة على المحور الخلفي، وتندفع السيارة بعجلاتها الخلفية بالطبع. ونعي تماماً مدى التغير الملحوظ الذي أضافه هذا المحرك من عائلة ايكوبوست على GT وقبلها على موستنغ وحتى البيك أب F150، بينما توفر علبة التروس لوحدها نقلة نوعية للأداء على متن GT فهي تقوم بعملها بسلاسة ورشاقة فائقة وتوفر حسب فورد أداء استثنائي يتلقاه السائق، ولا ننسى بالطبع أن هذه الرياضية هي سباقية في الوقت عينه ومن إحدى مهامها رفع درجة متعة القيادة والتشويق لدى السائق أثناء القيادة.

وكل شيء تم تركيبه على متن GT الجديدة كان مدروس لتخفيف الاحتكاك بالهواء ورفع معدل الانسيابية، ففي الخلف يوجد جناح رائع من ألياف الكربون والذي بالمناسبة يتميز بديناميكية عالية من حيث القدرة على توزيع الضغط والهواء نحو الأسفل للمحافظة على الثبات. أما الجزء الأمامي والخلفي للجسم من الخارج فهما مصنوعان من الألومنيوم. وقد عمل المصممون على إيجاد المعادلة الصعبة بين الحد من المساحة في المنطقة الأمامية والحفاظ على السيارة أنيقة ومريحة. فالدخول إلى المقصورة يتم عبر زوج من الأبواب التي تنفتح نحو الأعلى، يليها زوج من المقاعد الرياضية المدمجة في مقصورة الركاب. ومن اللافت أنك سترى هنا أن المقاعد ثابتة ولكن دواسة الوقود والمكابح وعمود المقود قابلة للتعديل وذلك لاستيعاب السائقين ذوي القامات الطويلة ولتوفير وضعية القيادة المثلى بناء على ما يناسب كل سائق.

وأخيراً وبعد جولتنا هنا والتعرف على مسقط رأس فورد GT وخروجنا من هذا المكان الغامض أشعر وكأنني بحاجة إلى العودة والجلوس خلف مقودها للتعرف عليها من جديد، فخلال جولتنا في الداخل أدركنا أن هذه الزاوية المهجورة من ضواحي ديربورن خبأت مفاجأة عملاقة إلى العالم فهي لا تبدو كغيرها من الطرازات ذات الصيت اللامع بل إنها شيء أكثر خصوصية وتميز.