"إنها السيارة التالية، تلك التي لم أنتجها بعد" بهذه العبارة لطالما أجاب أنزو فيراري الصحفيين في كل مرة كان يُسأل فيها عن السيارة الأعز إلى قلبه، وذلك لأنّ الرجل الذي لم يكن يرى لحياته هدفاً سوى إيصال السيارات الحمراء إلى العلم المرقط قبل الجميع، كان يؤمن أنّ الاكتفاء بما تملك سياراته من إمكانيات هو الخطوة الأولى نحو التراجع إلى المراكز الخلفية. أما اليوم، ورغم أنّ الرجل ذو النظارات السوداء قد رحل عن دنيانا هذه، إلا أنّ نهجه لا يزال هو المسيطر في أروقة القلعة الإيطالية مارانيلو من خلال فريق سباقات هو الأنجح في البطولة مع أكبر عدد من المشجعين حول العالم وقسم إنتاج سيارات مخصّصة للطرقات تتمتع بمواصفات متفوّقة تتحسّن جيلاً بعد جيل.

في البداية وقبل سرد تفاصيل تجربة قيادة 458 سبيشيالي، لا بد من الإشارة إلى أنّ السبب الذي دفعني لاستذكار عبارة أنزو الشهيرة تلك نابع عن الدهشة التي أصابتني - كما أصابت الكثير غيري – ما أن دارت عجلات سبيشيالي فوق الطريق، فعندما قدت طراز 458 إيطاليا لأول مرة منذ عدّة سنوات اعتقدت أنّ الصانع الإيطالي العريق وصل بالهندسة القائمة على مبدأ المحرك المثبّت بوضعية وسطية إلى القمة، تلك القمة التي يصعب على أحد تخطيها، بما فيهم مهندسو فيراري أنفسهم، ولكن وبعد قيادة سبيشيالي فوق المرتفعات الجبلية المتعرجة، تبيّن لي أنّ أحفاد أنزو تمكنوا مرة أخرى من تحسين ما هو متفوق بالأصل. فمع لوحة قيادة منحدرة نحو الأسفل بشكلٍ يجعلك ترى الإسفلت ينساب أسفل السيارة خلال القيادة السريعة ومحرك يصدر نغمات ميكانيكية عذبة وسط جسم خارجي يُسخّر الهواء لمصلحته، تُعيد فيراري مجدداً كتابة سطور رواية السيارة الرياضية العالية الأداء (بالإذن طبعاً من طراز لافيراري الذي لم أتمكن حتى الساعة من قيادته).

وما أن استلمت السيارة وانطلقت بها في تجربة القيادة، قررت أن أمر عبر طرقات المدينة المكتظة بالسيارات قبل التوجه إلى المرتفعات. ورغم أنّ هذا المكان لا يتناسب أبداً مع شخصية سيارة رياضية متطرفة كـ سبيشيالي، إلا أنّ رغبتي بالتوجه إلى هناك وُلدت من كوني أريد إختبار السيارة كوسيلة نقل يومي. وهنا لا أخفي عليك عزيزي القارئ أنني كنت أتمنى لـ فيراري سبيشيالي أن تفشل (كما حصل بالفعل) حيث برعت شقيقتها كاليفورنيا في السابق خلال تجربتي لها ضمن طرقات مزدحمة، فالسيارة الرياضية الحقيقية بنظري هي تلك التي لا يرغب سائقها إلا بإطلاق العنان لمحركها فوق طرقات جبلية متعرجة، أو طبعاً سطح حلبة سباق يسمح بالوصول إلى سرعاتٍ عالية.  

ومع تطور مجريات تجربة القيادة ووصولي إلى الطرقات التي تتوسط مرتفعات منطقة أصفي في القسم الشمالي من دولة الإمارات العربية المتحدة، بات بإمكاني ملاحظة رشاقة السيارة ودقة توجيهها التي تتوفر من خلال مقود سريع الاستجابة رغم أنه يقوم بعدّة وظائف إضافية كالتحكم بإشارات الالتفاف، ماسحات الزجاج، المصابيح، التحكم بنظام الخمد وطبعاً مفتاح المنيتينو للتحكم ببرامج القيادة، إلا أنه لا يهمل أبداً المهمة الأساس التي صُمّم من أجلها، أي التحكم بعجلات المحور الأمامي. أما المحرك، فإنّ صوته الذي يولّد في النفس مشاعر متناقضة تتمحور حول الخوف من هديره المرعب والاستمتاع بتقسيماته العذبة كان يتردد بين الوديان مولداً جواً مفعماً بالإثارة، ربما يكون قد عكر صفو الحياة الهادئة هناك، إلا أنه نال استحسان مجموعة من الشبان اليافعين الذين اقتربوا منا ما أن توقفنا لالتقاط بعض الصور لرؤية هذه التحفة الإيطالية عن كثب.

وبعد أن اشتهرت فيراري بنقلها لتقنيات الفورمولا واحد من الحلبات إلى الطريق، وجدت أنّ هذا الأمر لا يكفي، فما نفع نقل تقنيات تُستخدم على الحلبات ووضعها في تصرف سائقين لا يتمتعون بنفس مهارات القيادة التي تتوفر لكل من فرناندو ألونسو أو كيمي رايكونن، لذا تمّ تزويد سبيشيالي بمجموعة من الأنظمة التي تساعد السائق خلال القيادة الديناميكية السريعة، وعلى رأس هذه الأنظمة هناك نظام التحكم بزاوية الانزلاق (Side Sleep Control System) الذي  يعمل على تحليل معطيات القيادة وقياس زاوية الإنزلاق، ثم مقارنتها مع الزاوية التي يتوجب أن تتوجه السيارة نحوها قبل أن يوازن نسبة توزيع عزم المحرك بين العجلات الخلفية عبر نظامي E-Diff وF1-traction control. ومن جهة أخرى، جهزت فيراري السيارة بفئة مصمّمة لها خصيصاً من إطارات ميشلان بيلوت سبورت كاب توفّر مستويات تماسك عالية على الأسطح الجافة ومناسبة على الأسطح المبلّلة مع قدرة معزّزة على التوجيه.

على صعيد القوة الدافعة وقبل أن ينال شرف تزويد سبيشيالي بالطاقة، خضع محرك 458 إيطاليا، الفائز بعدّة جوائز دولية والذي يتألف من ثماني أسطوانات سعة 4.5 ليتر، لجملة من التحسينات التي رفعت قوته إلى حدود الـ 597 حصاناً يتم توليدها على سرعة دوران محرك تبلغ 9000 دورة في الدقيقة، مقابل عزم دوران أقصى يبلغ 540 نيوتن متر على سرعة دوران محرك تبلغ 6000 دورة في الدقيقة، وبذلك يكون محرك فيراري هذا أقوى محرك ثماني أسطوانات بسحب عادي (أي بدون توربو) أنتجته فيراري في تاريخها، كما أنّ نسبة القوة الحصانية لكل ليتر من ليترات سعته تبلغ 133 حصان/ليتر وتُعتبر من أعلى النسب التي تمّ تحقيقها حتى الساعة بين جميع محركات السحب العادي التي أُنتجت في الماضي.

وتتغذى عجلات سبيشيالي الخلفية بالطاقة من خلال علبة تروس أوتوماتيكية بسبع نسب مع قابض فاصل مزدوج يمكن التحكم بها عبر عتلات كبيرة الحجم مثبّتة على المقود تقع مباشرةً في متناول يدي السائق. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ فيراري تُصر على جعل العتلات ثابتة دون أن تتحرك مع حركة المقود كي لا يتم إرباك السائق خلال القيادة على سرعاتٍ عالية.

وانسجاماً مع التقليد الذي اعتُمد في سكودريا وتشالنج سترادالي، تتمتع 458 سبيسيال بوزن منخفض يبلغ 1290 كلغ (وزن السيارة بدون سوائل) ، وتحقق هذا الأمر من خلال استخدام عجلات معدنية خفيفة الوزن قياس 20 بوصة، صادمين أمامي وخلفي بوزن أقل وغطاء صندوق محرك مصنوع من مادة الـ Lexan الخفيفة الوزن (نوع خاص من البلاستيك المتطوّر). وساهم هذا الوزن المنخفض بجعل سبيشيالي قادرة على بلوغ سرعة 100 كلم/س انطلاقاً من حالة التوقف التام خلال 3 ثواني، تماماً كما سمح لها بالدوران حول حلبة فيورانو التابعة للشركة بزمن يبلغ دقيقة واحدة و23.5 ثانية، أي أنها أسرع من 458 ايطاليا بحوالي 1.5 ثواني على نفس الحلبة.

من الداخل، وانسجاماً مع الهدف الأساسي بخفض الوزن العام للسيارة، تمّ الاستغناء عن أي تبطين داخل المقصورة التي تسيطر عليها مادة ألياف الكربون بنسبة كبيرة، ما عدا بعض الأجزاء التي كُسيت بمادة الالكنتارا. كما تمّ التخلي عن صندوق التخزين المثبّت في لوحة القيادة والاستعاضة عنه بوسادة مخصّصة لحماية ركب مرافق السائق. كما تمّ أيضاً اعتماد نوافذ تحتوي على زجاج أرق من حيث السماكة بالمقارنة بما يتوفر في 458 إيطاليا.

وبمناسبة ذكر السائق ومرافقه، نشير إلى أنّ الإثنين يمكنهما الاستفادة من مقاعد رياضية تؤمن دعماً ممتازاً للجسم خلال تحدي السيارة لقوة مقاومة الجاذبية داخل المنعطفات، ودائماً مع توفير مستوى راحة لا بأس به. ومن جهة أخرى، يبقى أهم ما يميز مقصورة قيادة سبيشيالي هو الكونسول الوسطي الشبيه بما يتوفر داخل مقصورة طراز لافيراري، والذي يحتوي على أزرار التحكم بنسبة الرجوع إلى الخلف، برمجة القيادة الأوتوماتيكية وجهاز التحكم بالانطلاقات السريعة.

ومن الأمور التي تثير الاهتمام داخل مقصورة سبيشيالي هي الصفائح المعدنية التي تغطي الأرضية والتي تتمتع بنقشة خاصة تُعطي انطباعاً نظرياً بمدى التطور الكبير الذي يتوفر للسيارة.

لا يخفى على أحد أنّ فيراري 458 إيطاليا تُعتبر من أجمل السيارات التي خرجت من مصانع مارانيلو في السنوات العشر الأخيرة، لذا فإنّ عملية تعديل جسمها الخارجي كي يرتقي إلى رتبة سبيشيالي كانت بالتأكيد عملية دقيقة لا بد من تنفيذها بعناية عالية، ولكن في الحقيقة فإنّ العناية هنا لم تكن تهدف إلى تحسين مستوى جمال الخطوط الخارجية بالدرجة الأولى، بل بهدف تعزيز القدرات الأيروديناميكية للسيارة، فالأخيرة تتمتع بزعانف أمامية وخلفية متحركة تعمل بشكلٍ أوتوماتيكي على التكيّف مع متطلبات القيادة للموازنة بين نسبة الجر ونسبة الضغط السفلي، بالإضافة إلى فتحات تهوئة جديدة على غطاء الصندوق الأمامي تتناغم مع جنيحين صغيرين على شكل زعنفة سمكة القرش ضمن عاكس الهواء الجانبي أمام العجلات الخلفية وعاكس هواء خلفي يشكّل جزءاً من غطاء المحرك.

وعند وصول السيارة إلى سرعاتٍ عالية، تتحرك الزعنفتان المثبتتان في الواجهة الأمامية للسيارة كي تمررا الهواء عبرهما، أما عند زيادة الضغط على دواسة الوقود وارتفاع سرعة دوران المحرك نحو حدوده القصوى التي تتوقف عند حاجز الـ 9000 د.د تتحرك زعنفة أخرى مثبّتة بشكلٍ أفقي تحت الزعنفتين الصغيرتين بهدف توفير المزيد من قوة الدفع من أعلى إلى أسفل تلك القوة التي يساهم ناشر الهواء الخلفي النشط بتعزيزها عبر ثلاثة جنيحات تتحرك كهربائياً تبعاً للسرعة، زاوية التفاف العجلات ونسبة الضغط على دواستي الوقود أو المكابح.

ورغم أنني شخصياً لا أعتبر أي سيارة فيراري، فيراري حقيقية ما لم يكن جسمها المثير يحمل اللون الأحمر القاني الشهير، إلا أنّ النسخة التي توفّرت لنا لتجربتها بدت رائعة باللون الرمادي القاتم، خاصةً وأنّ هذا اللون يحمل تسمية "غريجيو سلفرستون" وكما نعلم فإنّ سلفرستون هي الحلبة التي حققت عليها فيراري أول انتصار لها في سباقات الفورمولا واحد خلال العام 1951 على يد السائق خوسيه فروليان غونزالس. ولكن في الحقيقة، فإنّ الأمر الوحيد الذي لم يعجبني في السيارة هو مقدمتها التي إستغنت عن الجناحين الكبيرين الذين يزينا مقدمة 458 إيطاليا والذين يتحركان نحو الأسفل على سرعاتٍ عالية.

وفي الختام، وبعد الانتهاء من تجربة قيادة السيارة وانطلاقا من الواقع الذي أثبت غير مرة أنّ كل سيارة جديدة تخرج من مصانع مارانيلو تتفوق بأدائها على من سبقها، لم يكن بوسعي سوى التفكير بالسيارة التي تتطورها فيراري حالياً لتحل محل طراز 458 إيطاليا، والتي من المتوقع أن تتمتع بمحرك من ثماني أسطوانات معزّز بجهاز شحن هواء توربو، فهل ستتمكّن حقاً من التفوق على ما توفره اليوم سبيشيالي من أداء رفيع؟ وإذا ما تمكّنت من ذلك فكيف ستكون قيادتها وما هو الشعور الذي سيتوفر لسائقها خلف المقود؟