من منا لا يعرف من هو الصانع المتفوق بورشه؟ ومن منا لم يسمع عن قدراته الكهربائية؟ من المؤكد بأن جميعنا يعرف بورشه حق المعرفة، وأكيد أننا جميعاً تعرفنا على الهجينة المتفوقة 918  سبايدر والتي كشفت عن نوايا واضحة من الصانع الألماني لاقتحام فئة السيارات الرياضية الخارقة الصديقة للبيئة جنباً إلى جنب مع تفوق أزلي لهذه العلامة في عالم السرعة والتسارع منذ البدايات لتسجل بذلك أسمها في قائمة المبتكرين بعد أن جمعت ما بين قوة حضورها الرياضي وابتكاراتها التقنية.

وما أفصحت عنه بورشه اليوم عبر الاختبارية ميشين E جاء كمثال حي على ما يدور في مخيلتها، فهي تعكس التطور والنضوج التقني الذي اقتربت منه صانعتها وما تجسده هذه الاختبارية التي انطلقت من جناح الشركة الألمانية في معرض فرانكفورت للسيارات قبل أيام. وما جاءت به الاختبارية لم يكن مجرد تخيلات مستقبلية وإنما أفكار بناءة سيجري تحويلها إلى حقائق واقعية ستستخدمها بورشه قريباً لتعزز تواجدها في هذا القطاع المهم وربما تهيمن عليه إن لم يتداركها الآخرون...

كما أكد مايكل موير رئيس قسم التصميم لدى بورشه، أن ميشين E تمثل تطلعات بورشه التصميمية للمستقبل القريب، فهذه الاختبارية التي تصنف على أنها أولى طرازات الألمانية التي تعتمد على طاقة الكهرباء بشكل كامل، تأتي بتصميم يحاكي عقلية بورشه التصميمية ويقتبس العديد من خطوطه من طرازات أخرى مثل 911 الشهير خصوصاً على صعيد خطوط النوافذ الجانبية، كما يعتمد على جسم منخفض على الأرض ومقدمة طويلة ومؤخرة مختصرة ومليئة بالعضلات والتفاصيل الرياضية وكل هذه المكونات تنسبها إلى عائلة بورشه بلا شك، بينما تتحلى بأفكار مستقبلية ترسم معالم جديدة من المتوقع بأن تتبناها بورشه مستقبلاً على باقي طرازاتها كـ باناميرا مثلاً أو حتى 911، فهذه الاختبارية المسماة ميشين E تتكون من جسم عصري الخطوط مؤلف من أربعة أبواب تفتح بشكل متعاكس مع غياب كلي للعمود الوسطي B الذي ترتكز عليه عادة مفاصل الأبواب، ما يجعل منها مكوك حائر ما بين السيدان باناميرا والكوبيه 911. وبفضل الرؤية الجديدة لتصميم الجسم الخارجي وطريقة تركيب الأبواب الجانبية الأربعة، نالت ميشين E مقصورة داخلية أكثر رحابة وعملانية.

وكما نرى جميعاً أن ميشين E هي بمثابة ثورة تصميمية بالنسبة لعملاق شتوتغارت، فإنها في الوقت عينه ثورة تقنية تحتاج لمزيد من التمعن في قدراتها. فهي أولاً استغنت تماماً عما يسمى محرك احتراق داخلي لصالح منظومة كهربائية مؤلفة من محركين كهربائيين كل واحد منهما مثبت على محور للعجلات، ومزودة ببطاريات متطورة يتم شحنها بنسبة 80 بالمئة في غضون 15 دقيقة فقط، وذلك بفضل قوتها البالغة 800 فولط، أي أنها أسرع شحناً من بطارية الهاتف الشخصي وتستغرق وقتاً أقل حتى من ملئ خزان الوقود عند محطة نصف مزدحمة! وهذه القوة تمنح ميشين E شواحن أسرع بمقدار الضعف مقارنة بالشواحن السريعة المتوفرة حالياً لشحن السيارات الكهربائية بقوة 400 فولط، وما يزيد من تميز ميشين E أيضاً هو أنها ستكون قابلة على تبني فكرة الشحن اللاسلكي.

ولكن ما فائدة كل هذه التقنيات المتطورة التي تتمتع بها سيارة المستقبل ميشين E، إن لم تتحلى بقدرات رياضية كبيرة تجعل منها أسطورة حقيقية وتتكامل مع هذه التقنيات؟ فهذا ما أخذته بورشه على عاتقها لتبرزه للجميع فيما يربط ما بين تاريخها الرياضي الحافل وتطلعاتها المستقبلية عبر ميشين E.

إذ يكفي أن أذكر لكم أن هذه الكهربائية قادرة على التسارع الصامت من حالة التوقف إلى سرعة 100 كلم/س في غضون أقل من 3.5 ثانية فقط، لكي تعترفوا لي بأنها سيارة سوبر سريعة، كما أنها تستطيع التسارع أكثر وبلوغ سرعة 200 كلم/س في غضون زمن يقل عن 12 ثانية وهذا الأمر الأكثر روعة. وهنا تستفيد ميشين E من محركاتها الكهربائية التي تحل مشكلة تأخر التوربو في محركات الاحتراق الداخلي الرياضية المزودة بشواحن هواء، والتي تعاني من بعض الخمول عند سرعات الدوران المنخفضة، بينما المحركات الكهربائية تتمتع بتسارع آني وعزم لحظي ومستمر دون وجود أدنى تأخر ما يمنحها تسارع نموذجي.

ونظراً لكبر سعة البطاريات المتوفرة في هذه الكهربائية فهي تستطيع الصمود لمسافة 500 كلم للشحنة الواحدة، ومع محركات بقوة حصانية تبلغ 600 حصاناً تتمتع بأداء يوازي أي سيارة سوبر رياضية مزودة بمحرك جبار.

والتحضير للاختبارية ميشين E لم يأتي بين يومٌ وليلة بل قام عليه فريق محترف وبوتيرة عمل مكثفة للغاية، وعمل الفريق بشكل مكثف بالذات خلال الثمانية أشهر الأولى من هذا العام، ونالت الاختبارية هذه اللمسات الأخيرة قبل عدة ساعات من موعد انطلاق معرض فرانكفورت. فقد كان أمام فريق موير التصميمي مهمة كبيرة لرسم أولى طرازات بورشه الكهربائية بالكامل، إذ عملوا على إظهارها رياضية صرفة لتحمل مورثات بورشه ثم تم التنسيق والعمل مع فريق التطوير التقني لتزويدها بالتقنيات اللازمة لتكون قنبلة الموسم. ويروي موير تفاصيل ما بين السطور فيما يتعلق بتطوير تصميم ميشين E، إذ واجه فريقه تحديات كبيرة بدأت من الهوية الرياضية للسيارة إلى تركيب المحركات الكهربائية عليها، وهنا نعلم أنها لا تمتلك أية محركات تعمل بالوقود وبالتالي كان لا بد من توفير قاعدة عجلات متسعة يتم تركيب الأنظمة الكهربائية عليها والتي هي عبارة عن بطاريات كبيرة الحجم وثقيلة الوزن وما يلحقها من وصلات وتجهيزات تجمع ما بين محوري العجلات الأمامي والخلفي فضلاً عن المحركات.

ومن التحديات الأخرى التي واجهت تطوير ميشين E هي ديناميكية القيادة أو كفاءة القيادة التي ستتمتع بها هذه الكهربائية متمثلة بمركز ثقلها، فما كان عليهم فعله هو تركيب تلك البطاريات أسفل جسم المركبة وبالتالي توفير طبقة حماية وعزل تفصل ما بينها وما بين مقاعد الركاب، وتم تخفيض ارتفاع جسم ميشين E عن الأرض للغرض نفسه فهي تبلغ من الارتفاع 01,30 ملم فقط وبالتالي فهي مماثلة لارتفاع أحدث طرازات بورشه 911.

أما في الداخل، فقد عمل مصممو بورشه على ترجمة تطلعات ميشين E المستقبلية على المقصورة، والتي شهدت بدورها تفاصيل سابقة لعصرها وخطوط بروح رياضية كالمقاعد التي تحتضن أربعة ركاب بالغين ضمن مقصورة مريحة وبأبعاد مناسبة على صعيد راحة الأرجل والأكتاف. وفي ظل غياب نفق علبة التروس الذي يخترق مقصورة السيارات العادية والاستغناء عن عتلة التبديل المرتبطة بعلبة التروس، وفرت ميشين E تصميم داخلي أكثر حيوية وعملانية عبر تركيب كونسول وسطي ممتد نحو المقاعد الخلفية، وتم تركيب مجموعة من التقنيات المتعددة عليه مع التركيز بشكل الواضح  على كل راكب على حدة، من خلال توفير تجهيزات رفاهية مخصصة لكل مقعد وأمام كل راكب، بينما يركز السائق على لوحة القيادة والكونسول الوسطي حيث يتوفر شاشة من نوع OLED لعرض البيانات ولوحة عدادات كبيرة وواسعة خلف المقود تشتمل على كافة وظائف ميشين E وكافة معطياتها.

استطاعت بورشه دخول عالم المحركات الكهربائية بنجاح عبر 918 سبايدر الهجينة والتي شكلت تحدٍ كبير لصانعي السيارات الرياضية، وهذا يعكس مدى التقدم الذي نالته بورشه حتى وصلت لمرحلة حققت فيها مع 918 سبايدر أرقام قياسية على حلبة نوربورغرينغ الألمانية وسباقات التحمل لومان 24 كما أنها تصنف واحدة من أفضل ثلاثة طرازات سوبر رياضية هجينة. ولم تمكث بورشه هنا بل عملت جاهدة للمضي قدماً في هذا القطاع الواعد. فهي أولاً صانع رياضي عريق، وثانياً تملك سبقاً في فئة السيارات الهجينة بفضل 918 سبايدر ما يجعلها أمام فرصة كبيرة لتعزيز قدراتها الكهربائية وإضافة طراز جديد إلى حظيرتها الصديقة للبيئة في المستقبل، كما أنها بذلك ترفع حاجز التحدي أمام شركات متخصصة بالطرازات الكهربائية المتفوقة مثل تيسلا الأمريكية والتي باتت مطالبة بالمزيد بعد تقديم بورشه لاختباريتها ميشين E. وهذا أيضاً سيدفع باقي المنافسين الذين ما زالوا يستثمرون في قطاع الهجين إلى التوجه نحو تطوير الطرازات الكهربائية الرياضية ليلحقوا بركب بورشه، وبالتالي لا أعتقد أن حقبة السيارات الهجينة ستستمر طويلاً وبتُ أراها فترة انتقالية استمرت ما بين الانتقال من حقبة محركات الاحتراق الداخلي الصرفة إلى حقبة المحركات الكهربائية الصرفة. وهذه الأخيرة أثبتت اليوم عبر بورشه بأنها قابلة للتطوير والاستثمار وتوفير قدرات خيالية لم تكن تخطر على بال أحد في الماضي القريب.