"الحرب مأساةٌ يستعمل فيها الإنسان أفضل ما لديه ليُلحق بنفسه أسوأ ما يُصيبه" في الحقيقة، لا أعرف ما إذا كان هذا القول يعود للرئيس الأميركي الشهير أبرهام لينكولن أم لرئيس الوزراء البريطاني وليام غلادستون، إلا أنّ شخصية صاحب هذا القول ليست هي المهمة، بل المهم هو أنّ القول بحد ذاته صحيح بنسبة كبيرة.

ولكن رغم كرهنا للحرب طبعاً، إلا أننا وللأسف ندين بالشكر لنزعة التفوق العسكري لدى البعض في الكثير من التقنيات والاختراعات التي ننعم بها اليوم، فإذا كنت عزيزي القارئ تتساءل عن كيفية ولادة شبكة الإنترنت، أجهزة الملاحة، أنظمة الرؤية الليلية وغيرها من التقنيات التي ربما بتنا غير قادرين على العيش بدونها، فإنّ أي بحث صغير منك (وطبعاً على الإنترنت) ستكون نتيجته بأنّ هذه التقنيات وُلدت في مراكز التطوير التابعة لإحدى الجيوش العالمية، أو من قبل شركات خاصة متعاقدة مع إحدى الجيوش.

ولعل من أبرز التقنيات التي بدأت حياتها في ميادين القتال قبل أن تنتقل للاستخدام المدني وتتحول من آلة حرب إلى وسيلة تنقل ممتعة تنبض بروح المغامرة هي سيارات جيب التي وُلدت فكرتها في البداية من حاجة الجيش الأمريكي لوسيلة نقل قادرة على السير بكل سهولة خارج الطرقات المعبّدة من جهة، والتمتع بأبعاد صغيرة تسمح بتوضيبها ضمن صندوق ليصار إلى نقلها جواً إلى مناطق النزاعات خلف البحار من جهة أخرى. ولكن، وبما أنّ جيلنا الحالي لا يرى في سيارات جيب سوى تلك السيارات التي تجمع الطرافة بالجدية ضمن توليفة مميزة مع عشق كبير للطبيعة، أي لأجمل ما يتوفر على هذه الأرض، فإنّ فكرة الذهاب إلى إسبانيا، وتحديداً برشلونة وجوارها، للمشاركة في المخيم الذي يحتفل هذا العام بالذكرى الـ 75 على تأسيس علامة جيب كانت أكثر من رائعة بالنسبة لنا.

وقبل الاسترسال بالحديث عن مشاركتنا بهذا الحدث المميز، لا بد من الإشارة إلى أنه من المعروف عن برشلونة بأنها واحدة من مدن العالم التي تحفل بالكثير من الأنشطة الترفيهية ومراكز السهر واللهو، إلا أنّ الجانب الجديد الذي اكتشفته فيها هو تحديداً في المناطق المجاورة لها والتي تحفل بمرتفعات شاهقة وسط طبيعة خلابة تتشابه بعض الشيء مع ما يتوفر في الموطن الأم لـ جيب، أي الولايات المتحدة الأمريكية.

في البداية، ومع بزوغ شمس صباح اليوم التالي لوصولنا إلى برشلونة، بدأت فعاليات اليوم الاول من مخيم جيب إذ انطلقنا نحو مرتفعات جبال البيرينيه، وتحديداً نحو محميات طبيعية بعيدة عن أي شكل من أشكال الحضارة، وصولاً إلى قمة ترتفع بمقدار 2,830 متراً عن سطح البحر، وضمن المرحلة الأولى التي تمت بمعظمها على طرقات معبّدة جلست خلف مقود طراز رانغلر مع محرك يتألف من ست أسطوانات سعة 3.6 ليتر يولد قوة 284 حصاناً. وبما أنّ هذه النسخة من رانغلر كانت تنتمي بطبيعة الحال إلى الفئة الخاصة بالعيد الـ 75، فإنها أتت مجهزة بعجلات من الألومنيوم قياس 18 بوصة تحمل تصميماً جديداً، شبكة تهوية مطلية بنفس لون الجسم الخارجي، واطارت محيطة بشبكة التهوية والمصابيح الأمامية باللون البرونزي اللامع قليلاً.

ومع وصولنا إلى سفح جبال البيرينيه وبعد تناول طعام الغذاء، انتقلت على متن طراز رانيغيد، أحدث سيارات الصانع الأمريكي والذي يتمتع بخطوط خارجية هي الأقرب من حيث شكلها العام للطراز الأساسي من جيب، أي ويليس، بخطوطه الرجولية التي تجمع الطرافة مع الجدية ولكن بطريقة معكوسة. ففيما يميل شكل ويليس العسكري الصرف نحو الإطلالة الجدية، تمّ تعزيز عنصر التصميم الطريف في رانيغيد من خلال بعض اللمسات المميزة التي تُعطي انطباع بأنّ مالك هذه السيارة يجب أن يكون ممن يعشقون الطبيعة ويتمتعون بروح الاستكشاف والمغامرة. أما من الداخل، فبالإضافة إلى النمط الذي يهدف لجعل مقصورة القيادة هي المستفيد الأول وربما الوحيد من المساحة التي توفرها قاعدة العجلات، وبالإضافة إلى الشعور العالي بالأمان الذي توفره هذه المقصورة لمستخدميها الأربعة، يتوفر للأخيرة الكثير من اللمسات التي تنسجم مع روح الطرافة، كالرسومات التي تحاكي واجهة سيارات جيب الأمامية ومصابيحها والمدموغة في غير مكان من أرجاء المقصورة، بالإضافة إلى رسم يحاكي شكل بقعة طلاء تعود للعبة الـ "بينت بول" بحسب تأكيد كلاوس بوس، كبير مصممي جيب في أوروبا الذي قال لنا أنّ السبب بوضع هذه البقعة على مؤشر قياس سرعة دوران المحرك يعود لإصابته بإحدى طلقات الطلاء خلال جولة ترفيهية له مع فريق العمل على تصميم السيارة. 

وبطبيعة الحال، وبما أنّ زيارتنا لمخيم جيب تزامنت مع العيد الـ 75 للعلامة التجارية، كان لا بد لي من وقفة تأمل في تاريخ الشركة، لذا وبنتيجة هذا الأمر اكتشفت بأنّ رانغيد ورغم أنها تُعتبر أصغر سيارات جيب وأقلها كلفةً، إلا أنها تلعب اليوم دور أبرز حاملي الراية في مسيرة الصانع الأمريكي نحو المستقبل، فهي وفية بتصميمها للطرازات التي صنعت المجد، أي ويليس ورانغلر مع قدراتٍ عالية على الذهاب إلى أي مكان وفي أي وقت، وتتمتع من جهة أخرى بنفس تجهيزات الراحة التي تتوفر لدى كل من شيروكي وغراند شيروكي.

وعندما ذكرت في المقطع السابق بأنّ رانيغيد هي كشقيقتيها ويليس ورانغلر قادرة على الذهاب إلى أي مكان وفي أي وقت، فإنني كنت أقصد الرحلة التي قمنا بها من سفح الجبل نحو القمة من ثم العودة إلى المخيم، فخلال مرحلة الصعود التي تمكّنت فيها رانيغيد من التسلق بكل سهولة كانت السماء صافية والشمس مشرقة معظم الوقت، ولكن خلال العودة نحو المخيم تغيّرت حالة الطقس وهطلت الأمطار الغزيرة مما أغرق المسار الذي اتبعناه بالوحول، إلا أنّ ذلك لم يمنع السيارة من شق طريقها بكل سهولة دون أي انزلاق.

على الصعيد الميكانيكي، أتت رانيغيد التي قمنا بقيادتها في إسبانيا بمحرك يعمل بوقود الديزل ويتألف من أربع أسطوانات سعة 2.0 ليتر يولد قوة 170 حصاناً على سرعة دوران محرك تبلغ 3,750 دورة في الدقيقة مقابل عزم دوران أقصى يبلغ 350 نيوتن متر على سرعة دوران محرك تبلغ 1,750 دورة في الدقيقة، وخلال تجربة القيادة بدا لنا أنّ هذا المحرك يعمل بالتناغم مع علبة التروس المؤلفة من تسع نسب أوتوماتيكية.

وبالعودة إلى المخيم، لا بد من الإشارة إلى أنه يُعتبر أكبر حدث لعملاء الدفع الرباعي لعلامة تجارية واحدة في أوروبا، ويمثل تكريماً لمالكي جيب، كما يُعتبر المخيم جيب الملتقى الرسمي الوحيد للعلامة التجارية في أوروبا، ويجذب مالكي جيب والمعجبين بهذه العلامة من جميع أنحاء أوروبا والعالم.

ولعل احتفال جيب بالعيد الـ 75 ضمن المخيم لم يكن من المقبول أن يمر هكذا دون أي حدث يميز نسخة هذا العام عن غيرها من النسخ، لذا قررت جيب أن تجمع الماضي مع المستقبل في نفس الوقت، إذ أنها عمدت من جهة إلى إحضار مجموعة من السيارات الاختبارية الشبه جاهزة للإنتاج التجاري، مقابل أبرز طرازاتها القديمة التي عرفت في الماضي نجاحاً منقطع النظير من جهة أخرى.

ومع المجموعة الأولى، أي الاختبارية، كان لنا لقاء في اليوم الثاني للمخيم حيث جلست خلف مقود فئة اختبارية من طراز شيروكي تحمل تسمية كراولر وتتمتع بطلاء أخضر عسكري ناشف وبعض الإضافات الخارجية التي وفّرت لها المزيد من الهيبة على الطريق. أما من الداخل، فإنّ ما لفت نظري في المقصورة الداخلية هي النوعية الممتازة للجلد الذي يكسو المقصورة والذي يتمتع أيضاً بتركيبة ألوان بالغة الأناقة.

على صعيد الأداء، وبما أنّ شيروكي كراولر تتمتع بنفس التركيبة الميكانيكية لفئة تريل هوك من شيروكي المخصّصة للإنتاج التجاري مع محرك يتألف من ست أسطوانات سعة 3.6 ليتر يولد قوة 270 حصاناً ويتصل بعلبة تروس أوتوماتيكية من ست نسب، فإنّ أداء السيارة لا يختلف كثيراً سوى ضمن الحدود الذي يسمح فيها نظام التعليق المعدّل والإطارات الأكبر حجماً التي رفعت خلوص السيارة بنسبة واضحة.

وفي سياقٍ متصل وبالإضافة إلى جولات قمت بها على متن كل من رانغلر سانرايز وفئة البيك العسكرية الإختبارية من طراز رانغلر التي تحمل تسمية كومانشي، جلست في مقعد الراكب الأمامي للفئة ترايلكات إلى جانب سائق محترف بفنون القيادة فوق المسارات الوعرة لننطلق على متنها بجولة نُفذت على السرعات العالية التي تتمكن السيارة من تحقيقها بفضل محركها المستعار من إبنة العم الملتهبة دودج هيلكات، القادر على تولي قوة 707 حصاناً.

أما مع اختتام اليوم الثاني، فكان لنا لقاء مع التاريخ المجيد لسيارات كلاسيكية حملت حروف إسم جيب على جسمها كطراز العام 1996 من غراند شيروكي، غراند واغنر، أجيال قديمة من طراز رانغلر وطبعاً الرحم الذي وُلدت منه تقنية الدفع الرباعي، أي طراز ويليس الذي رغم بساطة تصميمه وتقادم خطوطه لا يزال يتمتع بسحر من نوع خاص.