تعجبني طريقة الصانع الكوري الجنوبي هيونداي في التقدم نحو الأمام، فبعد أن دخل إلى الأسواق العالمية في البداية من باب السيارات المنخفضة الكلفة التي تُعتبر خياراً منطقياً لمن لا تسمح له ظروفه المادية بأن يكلل زياراته المتعددة لصالات عرض السيارة الجديدة بعملية شراء تبعد عنه شبح مطيته المستعملة وكلفة صيانتها المرتفعة أو الغير مجدية، تحول هذا الصانع الكوري إلى منافس شرس قادر على إزعاج الجميع في مختلف الأسواق، صانع ان كان لا يزال متخلفاً بعض الشيء عن ما توفره صناعة السيارات في الجارة اللدودة اليابان في بعض المجالات، إلا أنه أصبح بالتأكيد يتمتع بمكانة معنوية أفضل بسبب عدد لا يحصى من الطرازات التي لم تكتفي بكونها تعتمد تصميماً عصرياً لا يقل شأناً عن ما توفره المنافسة، بل أصبحت هي القدوة في هذا المجال. ففي بعض الأحيان، تبدو السيارات التي ينتجها صانعون ذو باع أطول بكثير متقادمة تصميماً إذا ما قورنت بما توفره هيونداي ضمن سلسة إنتاجها.

واليوم، وبعد سنوات من جس نبض الأسواق الفاخرة عبر طرازي جينيسس وسنتينيال، قررت الشركة أنّ الوقت قد حان لجعل وجودها في قطاع الفخامة رسمياً عبر تحويل جنيسيس إلى علامة تجارية فاخرة على غرار لكزس من تويوتا وإنفينيتي من نيسان، وبذلك أصبح طراز الجيل الثاني من جينيسس الذي أصابنا بصدمة إيجابية عندما قمنا بقيادته قبل عامين بسبب خطوطه الخارجية الفائقة الأناقة وجودة المواد التي يُصنع منها طرازاً مستقلاً يحمل تسمية G80 من علامة جنيسيس التجارية ويحتل المركز الثاني على سلم الفخامة إلى جانب شقيقته الكبرى G90 التي نختبرها هنا.

ولعل المفارقة التي يجب علينا ذكرها هنا هو أنّ G80 حالها اليوم كحال البطلة في المسلسلات المكسيكية المدبلجة التي تكتشف مع تقدم حلقات المسلسل بأنها لا تنتمي إلى العائلة التي ربتها بل هي ابنة عائلة ثرية حكمت عليها الظروف بأن تعيش خارج بيئتها الطبيعية، ولكن هذا ليس الأمر الوحيد الذي يجمع ما بين G80 وبين أبطال المسلسلات المكسيكية، بل ما يجمع بينهما أيضاً هو أنها أكثر جمالاً من شقيقتها التي حملت اسم عائلة جينيسس منذ البداية، تماماً كما يحصل في تلك المسلسلات. ففي مقابل الخطوط الراقية والأكثر ميلاً نحو النمط الأوروبي في التصميم التي يتوفر لـ G80، تبدو G90 أكثر كورية، إذ أنّ الخطوط التي تحاول معها السيارة عكس حالة من التميز والفخامة من خلال محاكاة تصاميم سيارات كلاسيكية من الماضي تجعلها في نفس الوقت تبدو وكأنها تحاول تحقيق ذلك دون جدوى، فهذه اللمسات التي يمكننا أن نلاحظها على القسم الخلفي من G90 ليست مستمدة من تاريخ صناعة السيارات الكورية، وبالتالي فهي تبدو مقلّدة على العكس من ما هو الحال مع سيارات من عيار بنتلي ورولز رويس، أو حتى كاديلاك ومرسيدس، فعندما يعتمد هؤلاء نمطاً تصميماً يحاكي الماضي الجميل بشكلٍ أو بآخر يكون ذلك مستمد من تاريخهم العريق، وبالتالي فهو ليس غريباً عليهم.

بعد سنوات من جس نبض الأسواق الفاخرة عبر طرازي جنيسيس وسنتينيال، قررت الشركة أنّ الوقت قد حان لجعل وجودها في قطاع الفخامة رسمياً

ولكن بما أنّ الشكل الخارجي على أهميته ليس وحده أهم ما في أي سيارة، لذا فإنه من الأفضل علينا أن ننصرف عن الحديث بهذا الأمر لنركز أكثر على تجربة السائق خلف المقود، وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ الانقيادية المريحة والراقية تسيطر على تجربة قيادة السيارة التي يعززها أيضاً محرك الأسطوانات الثماني سعة 5.0 ليتر الذي يوفر قوته العالية والبالغة 413 حصاناً نحو العجلات الدافعة عبر علبة تروس من ثماني نسب أوتوماتيكية. فأثناء الرحلة التي قمنا بها من دبي إلى العاصمة الإماراتية أبو ظبي والتي استلمت فيها مهمات القيادة في القسم الأول، لاحظت مدى تجاوب المحرك لرغبة السائق في زيادة السرعة بشكلٍ تدريجي سلس في كل مرة كانت تسمح لنا ظروف القيادة برفع السرعة، علماً أنّ السيارة توفر إمكانية التحكم بنمط قيادتها عبر مفتاح مثبّت في لوحة القيادة.

ودائماً في سياق الحديث عن تجربة القيادة وخلال تواجدنا في أبو ظبي، سمحت لي الفرصة بالجلوس خلف مقود الفئة المجهزة بمحرك ست أسطوانات سعة 3.3 ليتر مع شاحن هواء توربو بقوة 370 حصاناً، وهنا بدا أنّ G90 تصبح عصبية أكثر عبر اندفاعاتها القوية التي تشعر بها ما أن يتدخل جهاز التوربو ليسعف المحرك خلال عمليات التسارع.

ولعل الجلوس خلف المقود وما يترتب عليه من أمور لم يكن وحده الهم الذي توجب على مهندسي جينيسس معالجته، بل أيضاً الجلوس على المقاعد الخلفية حيث يجلس مالك السيارة غالباً، وهذا هو ما حرصت على تجربته خلال رحلة العودة من أبو ظبي عندما استمتعت بمستويات الراحة العالية التي توفرها المقاعد للركاب وقاعدة العجلات البالغ طولها 3,160 ملم للأرجل، علماً أنه يمكن التحكم بالكثير من تجهيزات السيارة وأنت جالس في الخلف.

وعلى صعيد السلامة، تتمتع G90 بمجموعة نظم استشعار ذكية خاصة بالسلامة، وهي مجموعة حافلة بالابتكارات التقنية المتقدمة تشكّل ميزة أساسية من ميزات السيارة. وتغطي هذه النظم المجموعة الكاملة من تجهيزات السلامة الإيجابية والسلبية. فعلى الصعيد الإيجابي (أي ما يساعد السائق على تجنب الحوادث)، توفر السيارة نظام الكبح التلقائي في حالات الطوارئ (AEB) مع ميزة استشعار المشاة، ونظام التحكم الذكي بالسرعة مع ميزة الوقوف الكامل والانطلاق، ونظام الكشف الذكي عن البقعة العمياء، ونظام التحذير من مغادرة المسار. أما على صعيد التجهيزات السلبية، أي تلك التي تتدخل عندما تتعرض السيارة لحادث ما، فتتمع G90 بمجموعة من وسائد هواء معززة بستائر هوائية تحيط بمقصورة القيادة من مختلف الاتجاهات، فضلاً عن دعائم تهدف لإبعاد أثر الصدمات أو الأجزاء الميكانيكية المحطمة من جراء الحادث عن المقصورة قدر الإمكان.

وفي الختام، لا يسعنا سوى أن نرحب بـ جينيسس علامة تجارية جديدة في قطاع السيارات الفاخرة، أما بالنسبة إلى G90 تحديداً، فإذا كنت تتساءل عزيزي القارئ عما إذا كانت السيارة قادرة أن تجاري منافساتها الالمانيات بالتقنية وأداء القيادة بعد ان هزمتهم بسعرها المنخفض والبالغ حوالي 81,000 دولار أمريكي، فالإجابة قد تكون غالباً لا لم تتمكن بعد ولكنها بالتأكيد على الطريق الصحيح، فكما نعلم روما لم يتم بناءها بيوم واحد.