رغم أنّ أعظم إنجاز لصناعة السيارات الأمريكية على الصعيد الرياضي العالمي قد يُسجّل لحساب فورد مع طرازها GT40 الذي تفوق خلال حقبة الستينات من سباقات لومان على سيارات فيراري، إلا أنّ هذا الإنجاز أتى ضمن عملية تطوير مموّلة أمريكياً ومنفّذة أوروبياً وعبر شركة لولا المتخصصة بتحضير سيارات السباق، وهذا ما جعل من بطلة لومان خلال الأعوام 66، 67، 68 و69 تنتمي بمفهومها إلى المدرسة التصميمية المعتمدة في القارة العجوز مع محرك مثبّت بوضعية وسطية وتماسك عالي. لذلك، وإذا أردنا أن نتأمل في صناعة السيارات الرياضية الأمريكية المخصصة للطرقات، نجد بأنّ أفضل تسمية يعود لها الفضل برفع راية العم سام عالياً في سماء سيارات الأداء العالي ما هي إلا شفروليه كورفيت، فالأخيرة هي التي تنقّلت منذ خمسينات القرن الماضي وحتى اليوم بين جيل ناجح وآخر أنجح حتى وصلت إلى جيلها السابع الذي وضعته مستويات التطور على أبواب صناعة السيارات الأوروبية منافساً شرساً دون أن يتنكر لجذوره الأمريكية الأصيلة.

ومع هذا الجيل الأحدث بصيغته المكشوفة كان لنا لقاء ناري بدأت تفاصيله عشية يوم الثلاثاء عندما استلمت مفاتيح السيارة من الزميل عمران بعد أن قام مشكوراً بقيادة السيارة لتجربتها ولإخضاعها لجلسات التصوير. وهنا، وما أن وقفت إلى جانب السيارة المركونة قرب مكاتبنا في دبي متأملاً خطوطها المنسابة بشكلٍ يجعلك تظن بأنها قادرة على اختراق أي شيء، حتى بدأت نبضات قلبي تتغير، فيما تلاشى الشعور بالخمول الناجم عن يوم طويل وراء شاشة الكومبيوتر، فالوقت الآن لم يعد للعمل بل للمتعة التي من الطبيعي أن توفرها سيارة رياضية تتمتع بمحرك من ثماني أسطوانات وسقف قماشي، لذا ما كان عليّ سوى تشغيل المحرك والانطلاق نحو أقرب طريق خالية من حركة السير وإطلاق العنان للأحصنة الأمريكية ذات العضلات المفتولة ليبدو لي جلياً المستوى العالي من الأداء الذي يتوفر للسيارة والذي تقدمه عبر أنماط قيادتها المتعدّدة مع توازن مثالي يتوفر بفضل التوزيع الدقيق للوزن بين المؤخرة والمقدمة. فرغم أنّ المظهر الخارجي للسيارة يوحي بأنّ مقدمتها أثقل وزناً من المؤخرة بسبب طولها، إلا أنّ الواقع مغاير تماماً، فالسيارة تنزلق فقط عندما يرغب السائق بذلك، وعندها يمكن تصحيح هذا الانزلاق بشكلٍ دقيق وبكل سهولة، ولعل ما ساهم بتوفير هذا التماسك الجيّد هي الإطارات الجديدة التي تتمتع بقدرة عالية على التماسك مع سطح الطريق. 

وكما في الفئة كوبيه، يولد محرك كورفيت المكشوفة ذو الأسطوانات الثماني سعة 6.2 ليتر قوة 455 حصان تترافق مع عزم دوران محرك أقصى يبلغ 610 نيوتن متر ينتقلان إلى المحور الخلفي، إما عبر علبة تروس يدوية تستفيد نسبها السبع من نظام مطابقة سرعة دوران المحرك مع النسبة المراد تعشيقها، أو علبة تروس أوتوماتيكية من ثماني نسب، علماً أنّ الأخيرة تتوفّر حصرياً في أسواقنا العربية، وهي وإن كانت لا توفر نفس الانخراط بعملية القيادة التي توفرها علبة التروس اليدوية، الا أنها تبقى تتمتع بأداء مقبول بنسبة كبيرة.

ولعل ما يساهم بتعزيز أداء المحرك هو أولاً العناية الكبيرة التي أولها فريق تصميم الأخير لمحرك الأيقونة الأمريكية التي تشاهدون صورها هنا، وثانياً المزيج من التقنيات المتطورة التي استخدمت لدعم الأخير في عمله والتي تتضمن الحقن المباشر، النظام النشط لإدارة الوقود (إيقاف عمل الأسطوانات) والتوقيت المتفاوت والمستمر لعملية فتح وغلق الصمّامات، بالإضافة إلى نظام احتراق متطوّر.

كونه ينتمي إلى عائلة محركات السحب العادي، يوفّر محرك ستنغراي كمية لا بأس بها أبداً من عزم الدوران على سرعاتٍ متوسطة

وكونه ينتمي إلى عائلة محركات السحب العادي، يوفّر محرك ستنغراي كمية لا بأس بها أبداً من عزم الدوران على سرعاتٍ متوسطة، أما عند الضغط على دواسة الوقود بكل قوة يستيقظ محرك ستنغراي ويبدأ بإصدار زئيره الميكانيكي المتوحش جاعلاً من عملية القيادة مع سقف مكشوف متعة تُضاف إلى المتعة التي توفرها العجلات بتماسكها العالي مع الإسفلت، والمقود باستجابته السريعة وحجم المعلومات التي يوفرها للسائق عما يجري تحت المحور الأمامي. 

ومن جهتها، توفّر علبة التروس الأوتوماتيكية الجديدة ذات النسب الثماني أداءاً معززاً إذ تتم معها عملية التعشيق صعوداً بسرعة عالية، فيما تتميز عملية التعشيق نزولاً بسلاستها وتناغمها مع سرعة دوران المحرك. أما عند التعشيق نزولاً بشكلٍ يدوي، فإنها تتلكأ بعض الشيء في تنفيذ أوامر السائق، إلا أنّ هذا الأمر لا يؤثر جدياً على متعة القيادة التي تتوفر بكمية كبيرة جداً خلف مقود السيارة. 

وبالإضافة إلى المقود الدقيق والوزن الموزّع بشكلٍ مدروس للغاية بين الأمام والخلف، توفر أجهزة التحكم بالتماسك ونظام التعليق المغناطيسي الممتاز من جنرال موتورز لكورفيت ولسائقها القدرة على الوصول إلى الحدود الديناميكية القصوى للسيارة بكل أمان وثقة.

وكونها تعتمد على الألومنيوم بشكلٍ مكثّف في بنيتها، فهي تتمتع بصلابة عالية، الأمر الذي جعلها بغنى عن دعامات تعزز صلابة الهيكل كي تعوض الضعف الناجم عن فقدان السقف وبذلك لا يزيد وزن ستنغراي المكشوفة عن شقيقتها كوبيه سوى بمقدار 64 كلغ فقط.

على صعيد التسارع، تتمكّن ستنغراي المكشوفة من الانطلاق إلى سرعة 100 كلم/س خلال 3.7 ثانية.

من الداخل، وما أن تجلس خلف مقود كورفيت ستنغراي المكشوفة وتنظر إلى الخارج حتى تشعر بأنك على متن سيارة مميزة، فغطاء المحرك الذي يحتوي على فتحات تهوئة هجومية يحتوي أيضاً على تموجات مثيرة تبدو واضحة عند النظر إليها من داخل المقصورة، وهي تبدو ايضاً كعضلات مفتولة تخفي تحتها محرك قوي. وفي مقابل ذلك، وفي حال أردت رفع نظرك عن غطاء المحرك وما يتقدمه على الطريق، فإنك ستجد مقصورة قيادة نالت الكثير من العناية والترقية بالمقارنة مع ما كان يتوفر لدى الأجيال السابقة من كورفيت، إذ أنها تحتوي على تطعيمات من ألياف الكربون وكساء من الجلد مع حياكة أنيقة، كما أنها موضّبة بشكلٍ يضع معظم تجهيزاتها ومفاتيح التحكم التي تحتويها في متناول السائق بشكلٍ مباشر، أضف إلى ذلك نظام عرض معلومات لوحة العدّادات على الزجاج الأمامي.

وعلى صعيد التصميم الداخلي وكون السيارة تنتمي إلى الفئة المكشوفة، فهي تتمتع بلوح مموج بنفس لون جسم السيارة يحمل شعار كورفيت المجنح. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ سقف كورفيت القماشي يحتاج لـ 21 ثانية كي ينتقل من فوق المقصورة نحو المكان المخصص لتوضيبه، علماً أنّ الأخير وعندما يكون بحالته الطبيعية فوق المقصورة لا يكتفي بحجب الشمس أو المطر والهواء عن السائق والراكب إلى جانبه، بل يحجب أيضاً ضجيج الرياح بنسبة عالية بالمقارنة مع بعض السيارات المكشوفة الأخرى.

وفي الختام، لعله من غير الموضوعي أن نقول بأنّ شفروليه كورفيت لا تعاني من أمور سلبية أو أنها كاملة لأنها قد لا تكون كذلك، خاصةً إذا ما كان الكمال الذي يصعب تحقيقه في عالم الواقع خاضع بالنهاية - شأنه بذلك شأن العديد من الأمور الأخرى  للنسبية، فما تجده أنت أمر إيجابي قد أرى أنا بأنه سلبي والعكس صحيح، ولكن متى تمكّنت سيارة ما من تحقيق المعادلة الصعبة التي تقوم على أداء رياضي مثير، تصميم خارجي فائق الجمال، تقنيات بالغة التطور، إرث تاريخي ممزوج بشخصية رياضية لا تخلو من النجومية وأخيراً وليس آخراً سعر أكثر من مدروس، يصبح أي تذمر أمر بحد ذاته في أعلى درجات اللاموضوعية.