الكيل بمكيالين، سياسة متبعة في كل مكان بما فيه عالم السيارات، إذ أن الشركات الصانعة تعمد أحياناً إلى خص بعض الأسواق بطرازات ما دون غيرها، أو أنها أحياناً تقدم أكثر من نموذج لطراز يحمل الاسم نفسه لكنه يختلف بدرجات متفاوتة حسب الأسواق. ولا ندري إن كان يصح وصف ذلك بسياسة الكيل بمكيالين، إلا أننا نحن من يجري البنزين في عروقهم عوضاً عن الدماء، نرى بأنها كذلك، لا بل حتى سياسة مجحفة أحياناً.

ورغم أن هذه السياسة قد تصب أحياناً في مصلحتنا كجيل الأخير من تويوتا كورولا الذي يتواجد نسخة منه على الأقل في كل متر من شوارعنا! والذي نرى بأن نصيبنا منه أفضل من نصيب أبناء العم سام، إلا أن الأمر ليست كذلك مع سيدان فولكس فاغن العائلية الشهيرة، باسات.

فـ باسات اليوم متوفرة بنموذجين على مستوى العالم، ولا يكمن الاختلاف بينهما بالخطوط الخارجية والداخلية فحسب، بل يتعدى ذلك وبكثير ليصل إلى صلب السيارة وجوهرها، أي قاعدة العجلات ومكوناتها الميكانيكية. ففي الوقت الذي نال به أبناء القارة العجوز وبعض الأسواق الأخرى جيلاً جديداً كلياً من باسات بتصميم أقل ما يقال عنه بأنه جذاب للغاية، فضلاً عن بنائه على قاعدة عجلات MQB الجديدة. اكتفت الأسواق الأمريكية والشرق الأوسطية وغيرها القليل بالفئة المجددة عن نموذج خاص يحاكي بخطوطه الجيل القديم الذي كان متوفراً في أوروبا ومبنياً جزئياً على نفس قاعدة عجلات الأخير والذي لم يمثل عملياً أكثر من نصف جيل جديد من باسات الجيل السادس 2005!

ولم يقتصر نصيبنا في الشرق الأوسط على الفئة المجددة فحسب، بل أن هذه الأخيرة نالت محركاً جديداً متطوراً رباعي الأسطوانات سعة 1.8 ليتر TFSI معزز بشاحن هواء توربو في أمريكا، أما نحن المساكين فتوجب علينا القبول بالحرس القديم المكون من خمس أسطوانات سعة 2.5 ليتر بتنفس طبيعي.

وإن كان كل ما سبق محبط للغاية لنا على الوراق، فإن باسات المجددة التي جلسنا خلف مقودها مؤخراً على طرقات دبي، كانت أبعد ما تكون عن كل ما يتعلق بالإحباط بصلة! ولكن كيف ذلك؟ فهي مبينة على قاعدة قديمة، محرك قديم وتصميم أقل جاذبية مما هو في القارة الأوروبية... هذا ما اكتشفناه عبر التجربة، والتجربة خير برهان!

فإن كانت خطوطها الخارجية تقليدية بعض الشيء، إلا أنها عصرية وبدرجة كبيرة. وطالت عمليات التجميل التي خضعت لها باسات مقدمتها بالدرجة الأولى، مع مصابيح أمامية بتصميم جديد ومعززة بتقنية LED، شبكة تهوية جديدة، استبدال غطاء المقدمة بآخر يحتوي على المزيد من الخطوط وصادم أمامي مجدد مع إعادة رسم مصابيح الضباب فيه. أما على صعيد المؤخرة فكانت التعديلات أقل وضوحاً من نظيرتها في المقدمة، وذلك عبر إعادة رسم المصابيح الخلفية وتعزيزها أيضاً بتقنية LED بالإضافة أيضاً إلى لمسات طفيفة أخرى.

وبشكل عام لا تحاول باسات الخاصة بسوقنا العزف على وتر الخطوط الخارجية بقدر ما تسعى جاهدة للقيام بذلك في الداخل، إذ أن الجوهر الحقيقي لأي سيدان عائلية لا يكمن في شكلها الخارجي، ولا حتى جمالها الداخلي، إنما ما تقدمه للركاب من ميزات في مقصورتها، وباسات تبرع في هذا المجال مع الكثير من الحركات واللمسات. فالخطوط الداخلية وإن كانت تقليدية بالمجمل، إلا أنها جذابة بشكل يصعب وصفه، مع تمازج مذهل بالألوان. حيث يطغى لون البيج على المقصورة مع الأسود ولمسات من الألومنيوم المزركش والخشب الفاتح اللون (مقطوع من شجرة البلاستيك على الأرجح)، ويشكلون معاً لوحة متقنة الصنع. وذلك ضمن مقصورة تحمل ختمة الجودة الشهير المتمثل بشعار فولكس فاغن الغنية عن التعريف بصناعتها العالية المستوى. وهذا ما يمن لحظه في كل جزء من الداخل، سواء عبر البلاستيك الاسفنجي أو الجلد الذي يكسي المقصورة أو أي مادة أخرى يمكن ليدك أو عينك أن تقع عليها.

الجودة والألوان الجذابة هما جزءاً من مزايا المقصورة، فالرحابة الكبيرة هي العنوان الأبرز في الداخل، سواء في الصف الأمامي من المقاعد التي تحيط بها مساحات واسعة حتى على صعيد الرؤوس، أو في الصف الخلفي حيث لا تقل المساحة المخصصة للأقدام عما هو موجود في الطرازات الفاخرة! ويمكن أيضاً توضيب كم كبير من الأمتعة في الصندوق الذي تبلغ سعته 568 ليتراً، وهذا رقم يتفوق على العديد من سيارات الستيشن، كما أنه قابل للفتح بمجرد تحريك قدمك أسفل الصادم الخلفي.

ويوجد أيضاً الكثير من جيوب التحميل في الداخل، مثل علبة النظارات وصندوق في الكونسول الوسطي، كما يبرز وجود صندوق آخر بسعة لا بأس بها أسفل ويسار المقود. وهذا الأخير قابل للتعديل أفقياً وعامودياً ويحتوي على مفاتيح للتحكم متعددة الوظائف وتقبع خلفه لوحة عدادات أنيقة وبسيطة التصميم ومدروسة لتقدم أقصى فائدة للسائق وبشكل مباشر. فيما تتولى شاشة وسطية تعمل باللمس التحكم بالعديد من الوظائف الأخرى مثل نظام الملاحة ونظام الترفيه والمعلومات، علماً بأنها مقترنة بنظام صوتي عالي النقاوة من نوع "فيندر"، ومجهزة بنظام أبل بلاي وأندرويد أوتو يعملان بمجرد وصل الهاتف الذكي بواسطة الـ USB.

ولن نتحدث أكثر من ذلك عن المقصورة، والتي يمكن حقاً تشبيهها لو بشكل مبالغ به، بغرفة المعيشة الأنيقة والعصرية والمريحة في الوقت نفسه والتي يحلو للعائلة قضاء أوقاتها بها. وذلك على الرغم من وجود بعض العيوب الطفيفة بها، مثل مفتاح التحكم بشدة المكيف، والذي يصعب قراءة مستوى ضبطه في الشمس الساطعة، إذ يغلب شعاعها على المصباح الذي يشير إلى الضبط.

ونصل معكم إلى خلف المقود، حيث يبدي الأخير نوعية نقل ممتازة للإحساس بالطريق خاصة على السرعات العالية، مع تحكم شبه مثالي وسيطرة مطلقة، إلا أنه أقسى مما يجب على السرعات البطيئة خصوصاً في المرآب الضيق، إذ يتطلب بذل جهد واضح لركن السيارة. وبفضل المساحات الزجاجية الكبيرة ووضعية القيادة الجيدة فضلاً عن المقود، يشعر السائق بأنه مسيطر على كل شيء أثناء السير بشكل مستقيم. ولكن عند محاولة تغيير المسار، سيصطدم حقاً بالمرايا الجانبية الصغيرة حقاً، والتي تتطلب منك تقديم رأسك أحياناً لكشف المزيد من المساحات حولك إذا فكرت بتغيير المسار. وباختصار، هذه المرايا صغيرة، مزعجة، لا أدري ما السبب وراء اختصار حجمها... وأنا أكرهها!

المحرك خماسي الأسطوانات سعة 2.5 ليتر ويعمل على توليد قوة تبلغ 170 حصاناً مقابل 240 نيوتن متر للعزم عند 4,250 دورة في الدقيقة. ورغم أنه هذه الأرقام لا تبدو مثيرة بما يكفي على الورق، إلا أن الأداء على الأرض أكثر من مرضٍ وجدير بنيل الإعجاب، مع نشاط ملحوظ للمحرك واستجابة مميزة وتناغم كبير في عمله مع علبة التروس الأوتوماتيكية السداسية النسب السلسة الأداء. الانقيادية مريحة بدروها والسيارة بشكل عام تتمتع بأداء راق لا يخلو من وجود المتعة خلف مقودها، والتي لا يشوبها سوى المرايا الجانبية الصغيرة.

أخيراً، يتعين علينا أن نرضخ للواقع وأن نرضى بنصيبنا من باسات المتواجدة في أسواقنا، ولكن ومع أنها ليست بالجديدة على غرار الأوروبية، كما أن محركها هو القديم على عكس نظيرتها الأمريكية، إلا أنها ومع ذلك وبفضل رقيها وكمال مواصفاتها تقريباً، لا تجسد سوى نصيباً أبيضاً، تماماً كما هو لون السيارة التي كانت بين أيدينا.