ضمن الثقافة العربية هناك مقولة شهيرة تُفيد بأنه "من ترك عادته قلت سعادته". ولعل هذا المثل هو خير ما يصلح لوصف ما قامت به هوندا مع الجيل الأحدث من بايلوت، أو بالأحرى ما صحّحته عبر العودة إلى عاداتها. فمنذ بدايتها في عالم السيارات وحتى اليوم، بنت اليابانية مجدها من خلال طرازات توفّر أعلى مستويات الراحة للعائلة مع اعتمادية متفوّقة دون أن تكترث كثيراً لأي أمر آخر لا يصب مباشرةً في مصلحة المقومات الأساسية التي يجب أن تتوفر في وسيلة نقل اقتصادية تقوم على مبدأ القيمة العالية مقابل الثمن الذي يدفع من أجلها، فحتى عندما وقّع القيمون على القرار الأول لدى هوندا أوراق إنتاج طراز NSX كان الهدف الأساسي من ذلك ليس فقط توفير سيارة رياضية مثيرة بل أيضاً سيارة تتمتع باعتمادية تتفوق على ما كان يتوفر آنذاك لدى السيارات الرياضية المنافسة، الأمر الذي دفع العديد من المراقبين آنذاك لوصفها بأنها فيراري اليابان، أو فيراري على الطريقة اليابانية.

انطلاقا من هذا الواقع وفي خطوة تهدف للعودة إلى التقاليد "الهونداوية" العريقة، ابتعد الصانع الياباني مع الجيل الأحدث من بايلوت عن التصميم الصندوقي الذي سيطر على خطوط الجيل الأول والذي كان يوفر له مظهراً يوحي بما لا يتمكن من تحقيقه، أي القدرات العالية خارج الطرقات المعبّدة، لصالح تصميم أكثر حداثة مع خطوط انسيابية توحي بأنّ ما سعى اليه فريق التطوير هو تحقيق ما يلزم السيارة كي تبلي بلاءها الحسن على الطريق أكثر منه خارجها.

وفي الحقيقة، فإنّ البلاء الحسن هو تماماً ما تتمكّن بايلوت 2016 من تحقيقه على الطريق مع انقيادية ناعمة، انقيادية قد لا تكون بنفس الجودة التي توفرها شقيقتها أكورد، إلا أنها تبقى مريحة بنسبة كبيرة، خاصةً وأنّ الأبعاد الخارجية الكبيرة للسيارة ومقصورتها الرحبة لا تشكلان أي عائق أمام القدرة على المناورة والتوجيه، كما أنّ جهاز التعليق المستقل على العجلات الأربع يوفّر لها ما تحتاجه من خمد مريح عند اجتياز المطبات من جهة، مقابل القدرة على عبور المنعطفات بثقة من جهة أخرى، ولكن طبعاً مع الأخذ بعين الاعتبار الخلوص المرتفع لمركبة دفع رباعي.

وبالنسبة للقدرة على الانطلاق بالسيارة، فيؤمن محرك الأسطوانات الست سعة 3.5 المزيد من القوة بفضل الأحصنة الـ 30 الإضافية التي بات يولدها بالمقارنة مع ما كان يتوفر للجيل السابق، وهذا ما يجعل بايلوت 2016 قادرة على التقدم بسهولة نحو الأمام عندما تتطلب ظروف القيادة من السائق أن يتجاوز سيارة أخرى على الطريق.

ورغم أنّ النسخة التي توفّرت لنا خلال تجربة القيادة كانت تنتمي للفئة تورينغ مع علبة تروس أوتوماتيكية تتألف من تسع نسب أمامية، إلا أننا لم نصادف معها أي تلكؤ في الأداء وسلاسة التعشيق كما هو ملاحظ في العادة مع العلب الأخرى التي تحمل نفس العدد من النسب.

وبمناسبة ذكر المحرك ذو الأسطوانات الست سعة 3.5 ليتر، لا بد من الإشارة إلى أنه يولد قوة 280 حصاناً على سرعة دوران محرك تبلغ 6,000 دورة في الدقيقة مقابل عزم دوران أقصى يبلغ 355 نيوتن متر على سرعة دوران تبلغ 4,700 دورة في الدقيقة.

من الداخل، توفّر بايلوت 2016 مساحات رحبة لمختلف ركابها سواء في الأمام، الخلف أو حتى على صف المقاعد الثالث القادر على استيعاب راكبين بالغين لن يشعرا ولا بأي شكل من الأشكال بأنهما ضحيا براحتهما كي يرتاح من يجلس على المقعدين الأماميين أو الوسطيين (الصف الثاني) الذين يفصل بينهما كونسول وسطي يحتوي على مساحة تخزين مسطحة وحاملتي أكواب مثبتتين بشكلٍ يضعهما في متناول اليد بشكلٍ ملائم، علماً أنّ عملية الوصول إلى صف المقاعد الثالث تتم بسهولة من خلال طي مقاعد الصف الثاني بلمسة واحدة.

ومن التجهيزات التي باتت ضرورة ملحة في أسواقنا، توفر بايلوت نظام تشغيل المحرك عن بُعد، الأمر الذي يشغّل معه نظام التكييف بهدف تبريد المقصورة قبل أن يصل الركاب إليها وهي مركونة تحت أشعة الشمس الحارقة.

على صعيد المواد التي استخدمت في بناء المقصورة الداخلية، فهي تتمتع بجودة عالية إذ حل البلاستيك الليّن محل نظيره القاسي الذي كان يتوفر في الجيل السابق، فيما تمّت الاستفادة من شاشة التحكم بنظام المعلومات والترفيه التي تعمل باللمس قياس 8 بوصات. ورغم أنّ هذه الشاشة ليست المفضلة بالنسبة لنا كونها تُعاني أحياناً من بعض التلكؤ في تنفيذ رغبات مستخدمها، الأمر الذي يجعله مضطراً لتحويل نظره عن الطريق أكثر من مرة خلال تنفيذ عملية واحدة فقط، إلا أنّ ما يعوض عن هذا الأمر بنسبة معيّنة هو أنّ أدوات التحكم بنظام التكييف تبقى مستقلة عن الشاشة ومثبّتة في مكانٍ آخر من الكونسول الوسطي.

بالنسبة لتجهيزات السلامة، وبالإضافة لكل من نظام منع غلق المكابح، نظامي التحكم بالتماسك والجر، الوسائد الهوائية الأمامية والجانبية، الستائر الهوائية الجانبية وكاميرا الرؤية الخلفية، تتمتع بايلوت 2016 ضمن الفئة تورينغ التي توفّرت لنا بنظام التنبيه من السيارات التي تقترب منها ضمن المنطقة العمياء الجانبية ونظام التنبيه من حركة السير الأمامية، ثم الكبح التلقائي في حال لم يعمد السائق لذلك بنفسه.

وفي الختام، ورغم أنها قد تكون خسرت الطلة الوقورة والراقية التي كانت تتوفر لها في الجيل السابق لحساب تصميم خارجي بخطوط ناعمة تحاول جاهدة إخفاء الحجم الكبير للسيارة، إلا أنّ المواصفات العملانية التي تتوفر لها وأداءها على الطريق الذي لا تشوبه شائبة، وطبعاً سعرها المدروس للغاية الذي يبدأ من 129,900، أضف إلى ذلك انتماءها لعلامة تجارية تحمل اسم له رنته الخاصة ضمن السيارات اليابانية، كلها أمور تتكاتف مجتمعة كي تجعل من هوندا بايلوت الجديدة خياراً من المستحيل تجاهله من قبل كل من يرغب بسيارة عائلية كاملة الأوصاف... تقريباً.